
لا شورى مع إمامٍ وإنسانٍ كامل
تتابع هذه المحاضرة شرح فقرة أن لا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا، وتتحدّث عن مصداق من مصاديق التدبير وهو الالتزام والوفاء بالعهود والشروط، وتتعرّض إلى بحث فقهي حول نوعيّ الشروط: الذي يكون في ضمن عقد لازم، والابتدائي وكلاهما واجب الوفاء عند المحاضر رضوان الله عليه. كما تابعت موضوع الشورى الذي طرح في المحاضرة السابقة، وبيّنت أنّ الهدف منها هو اتّباع الحقّ، وأنّ موردها عدم وجود الإمام المعصوم والإنسان الكامل اللذين يطّلعان على نتائج الخطوات وآثارها إلى يوم القيامة ، أو عند عدم التمكّن من الاتّصال بهما. كما أنّها تُعتمد في تشخيص الموضوعات دون الأحكام نفسها. وقد بيّنت ذلك ضمن شواهد تاريخيّة من سير الأئمّة عليهم السلام وابتلائهم بعدم تقدير من حولهم لمقام علمهم ومعرفتهم، بدءًا من أحداث مقتل عثمان مرورًا بموقف زيد الشهيد من الإمام الباقر عليه السلام، ويحيى بن زيد وأبناء عبد الله المحض من الإمام الصادق عليه السلام.
لا شورى مع إمامٍ وإنسانٍ كامل
13في الجلسة السابقة، قلت لكم لو أنّ مدرّسًا في الصفّ قال لأطفال الصفّين الأوّل والثاني عندما يكون الثلج يتساقط: أيّها الأطفال أتريدون الدراسة أو الذهاب إلى الملعب واللعب في الثلج الآن؟! فإنّ الجميع يقولون: هيّا بنا نلعب، ولا يقول واحد منهم لا إلا أن يكون مريضًا، الجميع يقولون: لنذهب إلى اللعب بالثلج! كم عدد التلاميذ في الصف؟ ثلاثون، ولو كان هؤلاء الثلاثين الآن ثلاثين ألفًا، مرّة أخرى هؤلاء الثلاثين ألفًا سيقولون: لنذهب إلى اللعب بالثلج. وإذا أصبح هؤلاء الثلاثين ألفًا ثلاثين مليونًا، سيرفع الثلاثون مليونًا أيديهم للذهاب إلى اللعب بالثلج. لا يقول واحد منهم يجب علينا أن ندرس، ولا يقول واحدّ إنّ حياتنا تذهب هدرًا الآن. لماذا؟ لأنّ هناك ثلاثين مليون طفلاً ، وليسوا ثلاثين مليون بالغًا، وليسوا ثلاثين مليون حكيمًا، بل ثلاثون مليون طفل يقولون: هيا بنا نلعب بالثلج. لماذا الدرس؟ لماذا نتعلم الأبجديّة؟ لماذا نتعلم الضرب والجدول والقسمة؟
الإمام مع الناس كالمعلّم مع الأطفال
إنّ وضع الإمام عليه السلام مع مختلف الناس هو كحالة معلم الصفّ مع الأطفال. لا يستطيع المعلّم أن يطيع الأطفال. إذا أطاعهم وذهب هذا الطفل ليلعب بالثلج وسقط أو أصيب بالتيفوئيد ومات، فلن يُطرد المعلم غدًا من هذه المدرسة فحسب ، بل سيدينونه أيضًا في المحكمة أن ماذا تفعل أنت هنا؟ لماذا جعلناك هنا؟ لئن أراد الأطفال ذلك لا بأس فليريدوا فهل عليك أن تطيع كلّ من تمنّى وأراد أمرًا ما؟ إذن لماذا لديك عقل ولماذا لديك تجربة؟ ما الهدف من هذا؟
واقع الإنسان الكامل مع الناس
وينطبق الأمر نفسه على الإنسان الكامل، لقد وصل الإنسان الكامل إلى نقطة المعرفة، فهو يقيّم الأشياء من وجهة نظر الشهود وليس من وجهة نظر الظاهر. [فمثلاً يقول الإنسان العاديّ:]
ـ لقد قال فلان كذا اليوم، لذا دعني أفعل ذلك.
ـ حسنًا، غدًا سيتراجع عن كلامه، فماذا تفعل أنت؟
يقول: لقد قلت.
ـ غدا سيقول: لن أفعل ، غدًا يتراجع عن كلامه.
وفقًا لهذا ، يتقدّم المرء إلى الأمام ثمّ يتراجع غدًا عن كلامه فيجد نفسه في طريق لا عودة فيه. هذا حال الإنسان غير الكامل، أأنت تعلم أنه سيتراجع غدًا؟! أمير المؤمنين عليه السلام يخبر هؤلاء بلسان الحال بأنّكم تقتلون الآن عثمان، وهذا معاوية والذي هو الآن حامي عثمان، سيثور غدًا من أجل المطالبة بالخلافة لنفسه. فهذا ما لا تعرفونه أنتم وأنا أعرفه. يقولون: لا يا عليّ، انظر إلى الجيش واعرف ماذا هناك، نحن خمسون ألف مقاتل إلى جانبك، نذهب ونري معاوية! نحن تسعون ألف مقاتل نقوم بالقضاء على معاوية. تفضّلوا! تستمرّ معركة صفّين ثمانية عشر شهرًا ثمّ تنتهي بهزيمة أمير المؤمنين ويعود إلى الكوفة، فالإمام لم يصل إلى نتيجة.
