
لا شورى مع إمامٍ وإنسانٍ كامل
تتابع هذه المحاضرة شرح فقرة أن لا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا، وتتحدّث عن مصداق من مصاديق التدبير وهو الالتزام والوفاء بالعهود والشروط، وتتعرّض إلى بحث فقهي حول نوعيّ الشروط: الذي يكون في ضمن عقد لازم، والابتدائي وكلاهما واجب الوفاء عند المحاضر رضوان الله عليه. كما تابعت موضوع الشورى الذي طرح في المحاضرة السابقة، وبيّنت أنّ الهدف منها هو اتّباع الحقّ، وأنّ موردها عدم وجود الإمام المعصوم والإنسان الكامل اللذين يطّلعان على نتائج الخطوات وآثارها إلى يوم القيامة ، أو عند عدم التمكّن من الاتّصال بهما. كما أنّها تُعتمد في تشخيص الموضوعات دون الأحكام نفسها. وقد بيّنت ذلك ضمن شواهد تاريخيّة من سير الأئمّة عليهم السلام وابتلائهم بعدم تقدير من حولهم لمقام علمهم ومعرفتهم، بدءًا من أحداث مقتل عثمان مرورًا بموقف زيد الشهيد من الإمام الباقر عليه السلام، ويحيى بن زيد وأبناء عبد الله المحض من الإمام الصادق عليه السلام.
لا شورى مع إمامٍ وإنسانٍ كامل
12هنا يبيّن له الإمام عليه السلام نقطة فيقول: أخشى أن تكون المصلوب في كناسة الكوفة. فعندما تنتهي كلّ هذه الحجج، لا يقبل. يقول [الإمام] يجب أن نبرز على الأقل أمرًا واحدًا ونقول شيئًا واحدًا. لكن مع ذلك، لا يقبل زيد مرّة أخرى، لا يقبل زيد مرّة أخرى.۱
ولكن في الوقت نفسه، كان بين أصحاب الإمام الباقر عليه السلام وأصحاب الإمام الصادق عليه السلام رجال [موقفهم مختلف] بالنسبة إلى الإمامة والولاية، كانوا ينظرون إلى الإمام ببصيرة الإمامة، كانوا ينظرون بتلك النظرة نفسها. لذلك يذهب زيد ليقتل نفسه دون أيّ نتيجة، وصلب جسده لمدّة أربع سنوات. لماذا؟ فلتتّبع الإمام يا سيّدي العزيز! يا من تقول للناس إنّ الله عيّننا لاتّخاذ المواقف العمليّة، لكنّ أخي محمّد بن علي الإمام الباقر حسب تعبيرنا أكثر منّي معرفة، فهو أعلم منّي. وعندما يذهب إليه أحد أصحاب الإمام الصادق ويحاوره، والظاهر أنّه مؤمن الطاق، يحاجّ زيدًا فيقول له: هل أنت أعلم أم أخوك؟ أيّكما هو الأعلم؟ هنا لا يمكن لزيد أن يتكلّم. فإذا ما طُرح أمر الأعلميّة فهذا الفرس وهذا الميدان، لا يمكنه أن يقول أنا أعلم. وبالطبع لم يكن زيد ليقول أنا أعلم، لأجل هذه الأمور. كلاّ فقد كان زيد منصفًا، وكان رجلاً صادقًا. قال: أخي أعلم. قال: هل يمكن أن تكون أعلميّة أخيك ذات أثر على هذا العمل الذي تقوم به؟ يعني ألا تستحقّ هذه المسألة المهمّة وهذه الأمور التي بهذه الأهميّة أن تستفيد من مرتبة أعلميّة أخيك التي تعترف بها؟ ربّما كانت هناك نقطة مظلمة هو يعرفها بواسطة أعلميّته لم تصل إليها أنت بعلمك. هنا يسكت زيد.٢ هنا يُحجُّ زيد. ثمّ يقول: لقد جعل الله فينا السيف وجعل فيهم العلم. أي إنّنا أهل حرب، وأخونا رجل وعظ ونصيحة وموعظة وبيان للأحكام.٣
عدم معياريّة كثرة الأتباع من الرَّعاع
عندما يصل الأمر إلى هنا، فهذا يعني أنّه لا نتيجة للكلام. لم يعد هناك منطق هنا. يقول وداعا ويرجع ويأتي إلى الإمام الباقر عليه السلام ويبيّن له الأمر. يقول الإمام هنا: لعن الله أهل الكوفة أحاطوا به وألقوا به في هذه الكارثة، وغدًا سترى أنّهم يفرّون من أمامه، هؤلاء أنفسهم، أمّا من يسير في طريق واضح، من كان الأمر واضحًا له، من يرى الحقيقة، فلو أنّ الناس كلّهم اجتمعوا حوله فلا فائدة. كم عدد الذين أحاطوا بك يا زيد؟ ثلاثمائة رجل؟ ثلاثمائة لم يكونوا أكثر! لو أنّ ثلاثمائة مليون أحاطوا بالإنسان فلا فائدة من ذلك. لأنّ الثلاثمائة هم واحد. هؤلاء الثلاثمائة مليون هم واحد، فالثلاثمائة مليون لم يصبحوا ثلاثمائة دفعة واحدة. لقد فهمتم ما أريد أن أقوله.
- ابن شهراشوب، مناقب آل أبي طالب، ج٣، ص٣٢٢: ويروى أنّ زيد بن علي لما عزم على البيعة قال له أبو جعفر : يا أبا زيد إنّ مثل القائم من أهل هذا البيت قبل قيام مهديهم مثل فرخ نهض من عشه من غير أن يستوي جناحاه فإذا فعل ذلك سقط فأخذه الصبيان يتلاعبون به فاتق الله في نفسك أن تكون المصلوب غدا بالكناسة ، فكان كما قال .
- معرفة الإمام، ج۱، ص: ٢٢٣: ينقل المرحوم الكليني في (أصول الكافي)، كتاب الحجّة، باسناده عن أبان عن الأحول*، أنّ زيد بن علي بن الحسين عليهما السلام بَعَث اليه و هو مستخفٍ، قال: فأتيتُه.
فقال لي: يا أبا جعفر ما تقول إنْ طَرَقَكَ طارقٌ منّا أ تخرجُ معه؟
قال: فقلتُ له: إنْ كان أباك [الإمام علي بن الحسين] أو أخاك [الإمام محمّد الباقر] خرجتُ معه.
قال: فقال لي: فأنا أريد أن أخرج أجاهد هؤلاء القوم فاخرج معي.
قال: قلتُ لا ما أفعل جُعلتُ فداك.
قال: فقال لي: أترغب بنفسكَ عنّي؟
قال: قلتُ له: إنّما هي نفسٌ واحدة، فإنْ كان لله في الأرض حجّة فالمتخلّفُ عنك ناجٍ و الخارجُ معك هالكٌ، و إنْ لا تكن للّه حجّة في الأرض فالمتخلّفُ عنك و الخارجُ معك سواء.
قال: فقال لي: يا أبا جعفر كنتُ أجلس مع أبي على الخوان فيُلقمني البَضعةَ السمينة و يبرّد لي اللقمة الحارّة حتى تبرد شفقةً علي و لم يشفق عَلي من حرّ النار إذا أخبرك بالدين و لم يُخبرني به؟
فقلتُ له: جُعِلْتُ فِداكَ مِنْ شفقته عليك من حرّ النار لم يُخبرك؛ خافَ عليك أن لا تقبله فتدخل النارَ و أخبرني أنا، فإن قبلتُ نجوتُ و إن لم أقبل لم يُبالِ أن أدخل النّار.
ثم قلتُ له: جُعلت فداك أنتم أفضل أم الأنبياء؟ قال: بل الأنبياء.
قلتُ: يقول يعقوبُ ليوسفَ عليهما السلام: يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً «۱»، لِمَ لَمْ يُخبرهم حتى كانوا لا يكيدونه و لكن كتمهم ذلك، فكذا أبوك كتمك لأنّه خاف عليك.
قال: فقال: أما و الله لئن قُلتَ ذَلك لقد حدّثني صاحبُك بالمدينة أني اقتل و اصلب بالكناسة و أنّ عنده لصحيفة فيها قتلي و صلبي.
فحججتُ فحدّثتُ أبا عبد الله عليه السلام بمقالة زيد و ما قلتُ له، فقال لي: أخذتَهُ من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله و من فوق رأسه و من تحت قدميه و لم تتركْ له مَسلكاً يسلكه.
* هو محمّد بن النعمان، من خواص أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، و كان يُدعي بـ (مؤمن الطاق) لأنّه كان يمتلك دكّة تحت الطاق، لكن أهل السنّة لقّبوه بـ (شيطان الطاق) لمهارته في المناظرة و للعداء الذي يكنّه بعضهم لأهل البيت عليهم السلام. - ورد هذا الكلام في الحوار الآتي بين متوكّل بن هارون ويحيى بن زيد ولم يرد في حوار مؤمن الطاق وزيد. (م)
