
ضرورة الشورى في إدارة الحياة الاجتماعيّة
تتابع هذه المحاضرة شرح فقرة ولا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا وتستمرّ في بيان قواعد الحكم والإدارة في الإسلام، وتتوقّف عند مبدأ الشورى وعلل تشريعه وكيفيّته وموارد عدم اعتماده، فهو لتقليل احتمال الوقوع في الخطأ في حالة عدم وجود معصوم، وليس المهمّ فيه الأكثريّة، وإنّما المهمّ فيه الوصول إلى الحقّ بواسطة تبادل وجهات النظر بشكل جادّ غير شكليّ للإيحاء إلى الناس بأنّ لهم دورًا وأهميّة. وبيّن سماحة السيّد رضوان الله عليه أنّ هذا الموضوع الذي تتوقّف عليه حياة المجتمع وموته لم يأخذ حقّه من الدراسة والتطبيق وخصوصًا في ظروف الحركة الدستوريّة؛ وذلك لأنّه نحّي أصحاب النظر الثاقب وترك الميدان لأصحاب المعادلات العلميّة المتعارفة ما أدّى إلى تلاعب الاستعمار بحركتهم وخداعهم ولم يلتفتوا إلا بعد فوات الأوان. وقد تحدّثت المحاضرة عن نقاط أخرى ذات صلة بالموضوع منها قصّة إدخال الجارية على الإمام الكاظم عليه السلام وكيفيّة تبديل أحوالها. ومنها أحداث التخطيط لمعركة أحد. ومنها كيفيّة قتل الآخوند الخراساني على أيدي عملاء الإنجليز، وبعض خصوصيّات ومواقف الميرزا الشيرازي والشيخ فضل الله النوري.
ضرورة الشورى في إدارة الحياة الاجتماعيّة
13الاقتراح على المعصوم خطأ ولو كان حول الصلاة
ذات مرّة كنت في مشهد ـ والآن خطر لي أن أذكر هذه المسألة ـ كنت في مشهد وكنت أتحدّث، وأذكر أنّي كنت أتحدّث عن أحداث ظهر عاشوراء، عندما يكون الإنسان مع الإمام عليه السلام، فما معنى أن يقترح الإنسان؟! ما معنى أن تطرح أمرًا؟! فما يفعله الإمام عليه السلام هو المطلوب. فعلى سبيل المثال لو كان الإمام جالسًا يتحدّث إلى إنسان، فبمجرّد أن يحين وقت غروب الشمس، يقول: يا ابن رسول الله! حان وقت الغروب الآن؛ فلا ينبغي الكلام، ولننهض ونصلّي ولا يفوتنا فضل الصلاة أوّل الوقت، فهل هذا صحيح؟! كلاّ. يريد أن يجلس ويتكلّم، فأنت أيضًا تجلس، أتنهض والكون مع الإمام هو الأساس بالنسبة لنا. لماذا؟ لأنه هو الحقّ. نعم مع غيره... ـ لقد انقضى الوقت ولم نصل إلى ثلث ما أردنا قوله. والوعد لجلسة أخرى كالمعتاد ـ الوجود مع الإمام هو الأصل، لأنّ الإمام هو الحقّ. والحقّ الخالص لا يقبل الجدال، فإن صلّى فقم وصلّ معه. وإن لم يصلّ، فاجلس وتحدّث، فربّما لا يكون الإمام قادرًا حينها، بطنه تؤلمه، لا يستطيع ، يتركها لوقت لاحق. ما المشكلة في هذا؟! ألا ينبغي أن يتألّم الإمام؟! إنّه يتألّم مثل أيّ إنسان آخر. يقول أنا الآن أنتظر بضع دقائق ثمّ أنهض وأصلّي. يا ابن رسول الله الآن وقت المغرب ، الملائكة تنتظر صلاتي لترفعها. لقد أخّرتني، وأنا أريد أن أستفيض، هذه العقول المتحجّرة توجد حركة الخوارج في مقابل الحقّ. الذين يأتون ويريدون التدخّل والاقتراح وأمثال ذلك.
كنت أتحدّث عن هذا الموضوع، ووصلت إلى قضيّة عاشوراء وسيّد الشهداء واقتراح أبي ثمامة الصيداوي. فعندما وصلت إلى هذا الموضوع، قلت إنّ أبا ثمامة الصيداويّ اقترح الصلاة على الإمام الحسين عليه السلام ظهر عاشوراء: يا ابن رسول الله لقد حان وقت الصلاة. طبعًا أؤكّد أنّ علينا أن لا نخلط في الموضوع، فنحن لا ندري كيف كانت حال أبي ثمامة الصيداوي في ذلك الوقت؟ فأحيانًا قد تسيطر الوحدة على المجموعة الموجودة. هذه الوحدة هي وحدة ولاية الإمام عليه السلام وسيطرته على تلك الجماعة، بحيث تصبح المجموعة بأكملها بحكم الإمام؛ بحكم سيّد الشهداء. ثمّ بعد ذلك يصبح لسان أبي ثمامة الصيداويّ لسان الإمام الحسين، ويصبح لسان مسلم بن عوسجة لسان الإمام الحسين، ويصبح لسان حبيب بن مظاهر لسان الإمام الحسين، أي الوحدة هي التي تحكم ذلك. نحن لا ننظر إلى قضية أبي ثمامة الصيداوي على أنّها من هذا القبيل. بل نقول: لو كنّا على ما نحن عليه الآن، فنحن لا نبلغ إلى تلك المرحلة، ولا ندرك شيئًا منها، فمع غضّ النظر عن تلك الوحدة، يجب أن لا نقترح. الإمام الحسين يريد أن يصلّي، أو لا يريد الصلاة ، لا يريد حتّى أن يصلي ، فما شأننا نحن؟! قلت إنّ قضية أبي ثمامة الصيداوي مختلفة؛ فقد كانت الوحدة قد سيطرت على كلّ أهل كربلاء وكان اللسان لسانًا واحدًا. تمامًا كما لو اقترح أبو الفضل. كأنّ عليًّا الأكبر قد اقترح، فهو من هؤلاء الأصحاب، هو منهم. لا، فبعيدًا عن ذلك، فقضية كربلاء قضية لا يمكن مقارنتها بأيّ شيء. كربلاء حدث واحد في تاريخ البشريّة، لم يكن له مثيل ولن يكون له مثيل. ومن قال إنّ لها مثيلاً فهذا كلامه هو. قضيّة كربلاء قضيّة بعيدة عن كلّ أفكارنا وخيالاتنا وأوهامنا، نعم أوهامنا لماذا؟ لأنّ الإمام الحسين هو الحقّ، ولا ينبغي للإنسان أن يقترح أمام الحقّ. ماذا يريد أن يقترح؟! أفهل لدينا ما هو أعلى من الحقّ! ليس هناك أعلى من الحقّ! فماذا يريد الإنسان أن يقترح؟! ففعله حقّ، ولسانه حقّ، وقدمه حقّ وكلامه حقّ.
