
ضرورة اختلاف أوضاع الناس في نظام التربية الإسلاميّ
تتابع هذه المحاضرة شرح فقرة ولا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا، وتدرس ارتكاز النظام التربويّ الإسلاميّ إلى مبدأ حتميّة اختلاف أوضاع الناس أفرادًا ومجتمعًا في سيرهم التكامليّ إلى الله، ما بين صحّة ومرض، وشدّة ورخاء، وهزيمة ونصر، وكون ذلك واقعًا خارجًا عن اختيار المكلّفين ولا بدّ أن ينسجموا معه في المرحلة الأولى، وإن أمكن أن يدركوا بعض حكمه وعلله في المراحل اللاحقة، ومن تلك الحكم كون حالات الشدّة والعسر مخفّفة من غرور الإنسان ومزيلة للحجب عن قلبه، كما أنّها تثبّت الإنسان وتقوّيه تمامًا كالشجرة التي تكون في معرض الرياح فتتجذر في الأرض أكثر من التي تكون بعيدة عن الرياح. ومن علل ذلك اختلاف الأسماء والصفات الإلهيّة التي لا بدّ أن تظهر كلّها، ومن أهدافه وغاياته تحقيق رجوع الإنسان إلى المبدأ وتركه لكلا حالي الشدّة والرخاء والتوجّه إلى الله وحده. أمّا رؤية أهل الظاهر فهي ضرورة أن تكون الحياة على نمط واحد من السلامة والفرح والنصر والظفر، وإن لم يحصل ذلك يشعرون بالخيبة والخسران. ويترتّب على كلّ ذلك أنّ هدف الحكومة الإسلاميّة والحاكم الإسلاميّ هو التوحيد لا النصر والتكامل الظاهريّين، ولذلك فهي تقوم بالتكليف ـ ما يعيّنه الشرع والعقل والعرف العاقل ـ لا إرضاء الناس المتقلّبين في إقبالهم وإدبارهم، ومن أمثلة ذلك حركة أمير المؤمنين إلى صفّين من دون حتميّة التوفيق في اقتلاع معاوية بأيّ طريقة وثمن، وعزل شريح القاضي، وصلاة التراويح. كما بيّنت بعض النقاط لمناسبة ما للمقام فبما أنّ نظام التربية يرتكز إلى اختلاف الحالات وأنّها ستمرّ على أيّ حال، لذلك فلا داعي لمعرفة المغيّبات وما سيجري، ولذلك لا تهتمّ مدرسة العرفان بذلك. ولا يسأل الإنسان عنه في القبر، وإنّما يسأل عن معرفته بإمامه معرفة لا تقتصر على الهويّة الشخصيّة فأعداء الأئمّة كعليّ بن أبي حمزة كان يعرف اسم الإمام واسم أبيه. كما استشهدت لكثير من المبادئ بمواقف من سير الأئمة عليهم السلام وخصوصًا أمير المؤمنين عليه السلام في صفّين ومع شريح القاضي وصلاة التراويح. وتحدّثت عن أسباب ابتلاء المرحوم العلاّمة بتمزّق الشبكيّة. ثم ختمت المحاضرة بالحديث عن بعض خصوصيّات شهر رجب والوصايا المتعلّقة به.
ضرورة اختلاف أوضاع الناس في نظام التربية الإسلاميّ
6قصّة عليّ بن أبي حمزة البطائني وعذابه في القبر
لقد تذكّرت الآن أمرًا، كان عليّ بن أبي حمزة البطائني من الأصحاب الثقاة للإمام الكاظم عليه السلام بل والإمام الصادق، والروايات التي كان يرويها كانت تنتقل بين الشيعة يدًا بيد، وفي ذلك الزمان، عندما توفّي موسى بن جعفر طالب الإمام الرضا عليه السلام بتلك الأموال التي كانت عند عليّ بن أبي حمزة. فقال الإمام: هذه الأموال هي أموال أبي، وهذه الحقوق يجب أن تكون بيد الإمام. ففي ذلك الزمان كان الإمام هو الإمام الرضا عليه السلام، وعلى الوكلاء أن يوصلوا هذه الأموال إلى الإمام عليه السلام. وقد أوصلها كثير منهم، وأبقى الإمام على كثير منهم، أبقى عليهم. فالإمام ليس لديه عداوة مع أحد، ليس لدى الإمام حقد وغلّ، الإمام يريد أن ينفق هذه الأموال في مواضعها، فجاء بعضهم وسلّمه، وبعضهم لم يسلّم. وكان ابن أبي حمزة من الذين لم يسلّموا، فالأموال في يده، وكان وكيل الإمام الكاظم عليه السلام، كان الناس يراجعونه، فقال الإمام الرضا: أعطني الأموال، أنا أريد أن أنفقها في مواضعها. فلم يسلّمه، فما هو تبرير عدم التسليم هذا؟ في النهاية هذه الأموال لم تكن لك، لمن هذه الأموال؟ للإمام، فلماذا لا تسلمّها إليه؟ هنا تشرع النفس بالتبرير، والوقوف أمام الحقّ، وهذا أمر خطير جدًّا! نحن علينا أن نعدّ أنفسنا لهذه اللحظات، اللحظات التي نقف فيها على مفترق طرق، ليس أمامنا طريق للعودة ولا للتقدّم، نريد أن نتقدّم والنفس لا تسمح. وإن أردنا أن لا نتقدّم فماذا نفعل بحكم الله؟ هنا تأتي النفس وتصطنع الأدلّة وتنحت الحجج، وتأتي بالأدلّة. هذا الرجل الذي كان إلى اليوم يقول هذا، يبدأ من الغد فيقول ما يقابله بدرجة مائة وثمانين درجة، ماذا حصل يا عزيزي بالأمس كنت تقول هذا؟ فماذا يقول؟ يقوم باختلاق الحجج، احتجّ وقال: نحن إمامتنا إلى موسى بن جعفر، وليس لدينا إمام بعد موسى بن جعفر، علينا أن ننتظر المهديّ الموعود. يجب أن يظهر. يا للعجب! وجرّ خلفه جماعة. حينها لم يسر هؤلاء الحمقى خلف الإمام الرضا، فلتذهب يا عزيزي ولتنظر! هذا ليس أمرًا اعتباريًّا. فلتقم ولتذهب إلى المدينة ولتر الإمام، انظر هل يقول صوابًا أم لا؟ هل يتكلّم هذا الرجل بالصواب أم لا؟ هكذا ما إن يتكلّم كلمة واحدة نقبل به بسرعة.
