
أهميّة الشعار في الحكومة الإسلاميّة ودور الحاكم في تطبيقه
تتابع هذه المحاضرة شرح عبارة أن لا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا مبيّنة دقّة المرحوم العلاّمة في انتخاب العبارات والشعارات بما يناسب التوحيد، وتستمرّ في دراسة شعار حكومات الأنبياء واختلافه عن شعارات السلاطين، وحيث إنّ الصلاة والتوحيد شعار الحكومة الإسلاميّة تتناول المحاضرة واقع الصلاة عند أولياء الله وغيرهم. ثمّ تبيّن دور الحاكم في تطبيق الشعار وذلك من خلال تحقيق الأمن على أنواعه من مالي اقتصاديّ، إلى اجتماعيّ إلى فكريّ واعتقاديّ، إلى مهني ومستقبليّ، كلّ ذلك في سبيل الوصول إلى حالة يمكن للإنسان فيها أن يوصل استعداداته إلى كمالها، خلافًا لحكومات الدنيا حيث لا تفكّر في ذلك أصلاً بل ترى في تحقيق أنواع الأمن غاية مستقلّة. كما تحدّثت عن طريقة أمير المؤمنين عليه السلام في الجواب على المعترضين ووصاياه لمالك الأشتر في جعل أفضل المواقيت لنفسه وضرورة تنظيم كلّ إنسان لوقته وعلاقاته واتّصالاته مع الناس واحترام الوقت والالتزام بالمواعيد الدقيقة كما عليه الغربيّون الذين يصيبون في هذا الأمر، وهذا الأمر كان سرّ نجاج المرحوم العلامة في تأليفاته. كما تحدّثت عن شعار المرحوم العلامة عام اثنين وأربعين والذي كان مقطعًا من دعاء الافتتاح وعن رغبته في محاورة الشاه وطريقة النبيّ صلّى الله عليه وآله في إرساله إلى الملوك مقارنة ذلك بمنطق هارون وعمر في حبّ التوسّع والالتذاذ بالفتح بنفسه وكيفما حصل وبأيّ وسيلة، في حين أنّ أمير المؤمنين كان يقوم بالتكليف ولو بفتح الماء للعدو والهزيمة.
أهميّة الشعار في الحكومة الإسلاميّة ودور الحاكم في تطبيقه
12هذا النحو وهذا النظم سبّب هذه الخيرات وهذه البركات. كلّ ذلك يدور حول محوريّة التوحيد.
في مدرسة الإسلام الأصل هو على أساس الصلاة، على أساس ارتباط الإنسان بالله. وسائر الأمور لا بدّ أن تكون في سبيل ذلك.
المقصود من الحكومة الإسلاميّة تحقيق الأمن والمساواة للوصول إلى الله
نعم الحكومة الإسلاميّة هي أهمّ أمر يريده الله، ولكن ما هو المقصود والمراد من هذه الحكومة؟ هل هو فقط الحكم والسلطة أم لا؟ الحكومة تعني إيجاد النظام في المجتمع، الحكومة تعني الأمن في المجتمع، عندما يضع الإنسان رأسه على الوسادة يضعه بأمان، هل تلتفتون ماذا أريد أن أقول؟ الحكومة تعني توفير الأمن المهنيّ، توفير الأمن المستقبلي، الحكومة تعني إيجاد العدل والمساواة وتطبيق القانون على أعلى مواطن في البلد وأدنى مواطن، هذا المعنى هو معنى الحكومة. ما رأيناه نحن هو هذا، نعم هناك آراء مختلفة في هذا المجال. في مذهب الأئمّة الأمر هكذا.
لقد سرق أحد أقرب المقرّبين من النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، فلأنّ ابن خالي ـ ابنة عمّة النبيّ الأكرم ـ ابن خالي الآن هو حاكم الإسلام، فلا إشكال في قيامي بأيّ عمل، وأمثال هذا الكلام. لقد سرقتْ فجاء النبيّ وأمر ذلك المسؤول رغم الاستهجان الذي كان هناك فقطع يدها. هذه تصبح حكومة الإسلام، لا أن يكون القريب بريئًا من كلّ شيء، يجب أن يكون مشمولاً للقانون مع سائر الناس. ۱
يجب أن يكون الأمن القانوني في الإسلام لجميع الناس، ويعلم كلّ إنسان أنّه إذا ما تعدّى فإنّه خاضع للقانون. فقد هيّأنا كلّ هذه الأمور لكي يرتبط الإنسان مع الله. هذه أمور متوفّرة في كثير من البلدان الأخرى. إذا ذهبتم إلى كثير من البلدان الأخرى فإنّ الأمان وحكومة القانون بكامل دقته وإتقانه مسيطرة، وهنا أقول لكم بصراحة إنّ هؤلاء وصلوا من هذه الناحية إلى مرتبة عالية في إقرار الأمن والعدالة الاجتماعيّة. الكثير من الدول هي هكذا، ولكن انتهى الأمر. هؤلاء ينتهون بالأمر عند هذا الحدّ، ويغلقون السجلّ. أمّا في الإسلام كلّ ذلك هو بداية العمل. تحقّق الأمن، تحقّقت العدالة، تحقّق القسط والمساواة، حينها يجب للتوّ على كلّ إنسان أن يسعى وفق استعداده الخاصّ لاستعمال استعداداته، حينها يجب أن يفتح بينه وبين الله طريقًا، حينها يجب عليه أن يوصل تلك الاستعدادات الكامنة في النفس إلى الفعليّة. هذا هو الفرق بين الحكومات وبين الحكومة الإسلاميّة، فالهدف في حكومة الإسلام هو ربط العقل بالله، وكافّة الشعارات يجب أن تكون على أساس هذه المحوريّة. فـ (نأخذ ونضرب ونقيّد ونجعل الدنيا هكذا) ليس شعار الإسلام.
- صحيح مسلم، ج٥، ص ۱۱٥: عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ان قريشا أهمهم شأن المرأة التي سرقت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح فقالوا من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ومن يجترئ عليه الا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه فيها أسامة بن زيد فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أتشفع في حد من حدود الله فقال له أسامة استغفر لي يا رسول الله فكلما كان العشى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختطب فاثنى على الله بما هو أهله ثم قال اما بعد فإنما أهلك الذين من قبلكم انهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهما الضعيف أقاموا عليه الحد وانى والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ثم امر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها قال يونس قال ابن شهاب قال عروة قالت عائشة فحسنت توبتها بعد وتزوجت وكانت تأتيني بعد ذلك فارفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقريب منه في صحيح البخاري، ج٥، ص ٩٦.
