
شعار الحكومة الإسلاميّة: ضوابطه وحقيقته
تناولت هذه المحاضرة مفهوم الشعار وضوابطه عمومًا وفي الحكومة الإسلاميّة خصوصًا، فبيّنت أنّ الشعار بمعناه الحقيقيّ هو الهدف وليس المحرّك للمشاعر، ولا بدّ أن يكون منسجمًا مع فكر المدرسة وعقيدتها، ولذلك فإنّ شعار الإسلام هو مرتبة التوحيد التي تعبّر عنها كلمة الله أكبر وهي تعني توحيد الذات توحيدًا يفوق إدراك العقل والوصول إلى مقام الجمع بين الوحدة والكثرة والبقاء بعد الفناء، ولا يتحقّق ذلك إلا بالصلاة التي هي الفلاح وخير موضوع وقربان كلّ تقيّ وخير العمل، وقيمتها أن تكون تحت الولاية لا بعيدًة عنها أو في مقابلها، ولذلك كان أمير المؤمنين يعظمها حتّى أثناء الحروب، في حين أنّ الخليفة الثاني حذف شعار حيّ على خير العمل من الأذان خوفًا على الحروب. وتعرّضت المحاضرة إلى بعض الفوارق بين حكومتي الحقّ والباطل كتلبية حاجات الوجدان والفطرة والعقل والإجابة على التساؤلات بدلاً من العصا. وختمت بالحديث عن ضرورة الدقّة في التعبير عن الشعارات الإسلاميّة وأنّ شعار سيّد الشهداء هو متابعة الحقّ لا بذل الدماء. وتعرّضت أثناء بعض ذلك إلى شواهد تاريخيّة كموقف الربيع بن خثيم الزاهد من القتال مع أمير المؤمنين، وموقف الخوارج.
شعار الحكومة الإسلاميّة: ضوابطه وحقيقته
15ما أريد قوله هو أنّا يمكننا اليوم وغدًا أن نخدع عددًا من الناس، وأن نحافظ على مجموعة، مجموعة مع مكانتنا. ولكنّا خسرنا يا عزيزي! لو توقّفنا دقيقة واحدة فقد خسرنا! لو تراجعنا في العمل دقيقة فقد خسرنا، لو تساهلنا دقيقة واحدة، الشخصيّة لا قيمة لها، المكانة لا قيمة لها، الكلام الذي قالوه لا قيمة له، ماذا أجيب على فلان وفلان لا قيمة له، فكّر في غدك، فماذا أعددت من جواب لتلك النشأة؟! ليس هناك أمر يعادل العبوديّة ويعادل قبول الحقّ، ليس هناك أمر يوازي اتّباع القيم وأن يبيّن الإنسان الحقّ إذا رآه. إن كان قال شيئًا مغايرًا فيما سبق فليأت الآن وليقل: لقد أخطأت، لا إشكال، هذا هو الأمر. والمهم في الحكومة الإسلاميّة هو الوصول إلى هذه الحقائق.
ضرورة الدقّة في التعبير عن الشعارات الإسلاميّة
أذكر أنّه في العهد السابق وفي أحد الاجتماعات في مكان ما في إحدى المدارس، أرسل أحد العلماء ـ والذين هم على قيد الحياة الآن ومن البارزين ـ دعوى للمشاركة في اجتماع لأولياء الطلاب، وقد شاركت أنا فيها، فكان تعبيره عن وقت الصلاة ـ وأقول ذلك لكي تعرفوا طريقة تفكير المرحوم العلاّمة ـ بدلاً من أن يقول: وقتَ الصلاة قال: وقتَ العبادة يقوم الحاضرون بالعبادة [واستعمل لفظة فارسيّة عامّة "نيايش" وتعني الدعاء والثناء]. فرأى المرحوم العلاّمة ذلك وقال: ما معنى العبادة [نيايش]؟ لا معنى للعبادة [بهذا المعنى العام]! شعارنا هو الصلاة! المسيحيّة لديها عبادة أيضًا، اليهوديّة لديها عبادة، فهؤلاء يذهبون إلى الكنيسة أو الكنيس وأمثالهما ويعبدون. حتّى البوذيّون لديهم عبادة. إنّ ما هو شعار للإسلام هو الصلاة. فما معنى ذلك؟ معناه أنّ على الإنسان أن يكون دقيقًا في انتخاب التعابير وأنّ عليه أن يعرف كيف يعبّر.
شعار سيّد الشهداء متابعة الحقّ لا بذل الدماء
مثلاً حركة سيّد الشهداء عليه السلام هل كان المطروح الوحيد فيها هو مسألة الدماء، لقد تحدّثت فيما سبق عن هذا الأمر، هل صار للإمام الحسين عليه السلام قيمة لأنّه قدّم الدم فحسب؟ فكثيرون يقدّمون الدماء، ويمكن للإنسان أن يموت في حادث سير، ويبذل دمه، فالدم دم في النهاية، كرياته البيضاء معلومة وكرياته الحمراء معلومة والبلازما معلومة والبلاكات معلومة، كلّ ذلك معلوم. كلّ من قطعت رقبته جرى الدم منه، مسلمًا كان أو مسيحيًّا، شيعيًّا كان أو كافرًا. فالأمر لا يختلف بهذا. ما كان مطروحًا عند الإمام الحسين هو متابعة الحقّ، سواء كان في طريق الصلح مع معاوية، أو في طريق المواجهة مع يزيد وفي النتيجة الوصول إلى تلك المراتب وإلى حادثة عاشوراء. مجرّد المواجهة مع يزيد لا قيمة لها، لا قيمة لها. ألم يكن هؤلاء المنافقون! هؤلاء الخوارج، هؤلاء الخوارج من واجهوا؟ واجهوا اثنين: أحدهما أمير المؤمنين والآخر معاوية، وكان قرارهم أن يقضوا على الاثنين. فعندما اجتمعوا في مكّة إلى جانب الكعبة، قرّروا، وشخّصوا بعقولهم العظيمة! أنّ ما يسبّب الفساد الآن هم ثلاثة: أحدهم عليّ، والثاني معاوية، والثالث عمرو بن العاص. إذا أزلنا هؤلاء الثلاثة استراح الناس، وتقتلع المشكلة من جذورها. تبرّع ابن ملجم لأمير المؤمنين، وتبرّع اثنان آخران لمعاوية وعمرو بن العاص، ولكنّ عالم التقدير هكذا. الأمر كما قلت لكم، أحد أسرار نظام عالم التربية أن ينجح من تولّى قتل أمير المؤمنين في عمله، أمّا الآخران فلم ينجحا. عجيب جدًّا! من كان يريد قتل عمرو بن العاص... سبحان الله كان عمرو بن العاص قد مرض تلك الليلة، فأرسل رجلاً بدلاً منه. فيضربون ذلك السيّء الحظ ويقضون عليه هناك. والمتولّي أمر معاوية يضربه على رجله فيجرحه ويعالجه الأطبّاء وينتهي الأمر. أمّا الذي يتولّى ضرب أمير المؤمنين فإنّه ينجح في عمله. انظروا لو كنّا نحن فماذا نقول؟ نعم من الواضح أنّ الحقّ مع معاوية، ومع عمرو بن العاص، لو لم يكونوا على حقّ فلماذا نجحا في عملهما؟! هذه هي المسألة التي نحن مبتلون بها الآن! لا تخالوا أنّها سهلة! هذه هي طريقة تفكيرنا.
