
كيفية تأثير أعمال النفس على ملكوت الإنسان
ما هي حقيقة النفس الإنسانية؟ ما معنى رواية من اقترف ذنباً فارق عقل؟ وما معنى تبديل السيئات بالحسنات؟ وهل هي مختصة بالله دون الأئمة والأولياء؟ كيف يمكن أن نعتبر من قصص الماضين كقصة الزبير والحر الرياحي؟ وهل يمكن التهاون في اتباع الحق بعد اتضاحه؟ أم لا بد من المسارعة إلى اتباعه؟ أسئلة أجاب عليها المرحوم آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في هذه المحاضرة من شرح حديث عنوان البصري، بالإضافة إلى مواضيع أخرى تناولها، مثل أن بيان الآثار الملكوتية للأحكام بحاجة إلى نبي وولي، وأنّ هناك خطأ يقع به البعض في تفسير بعض الأحكام والتكاليف بأمور ظاهرية فقط، وتأثير ترك الطعام الحيواني على نورانية الإنسان، ومسألة الاستطاعة في الحج، وعدم جواز الاتيان بعمرتين في شهر واحد.
كيفية تأثير أعمال النفس على ملكوت الإنسان
5فبالنسبة إلى المسألة الأولى، كنت أرى الكثير من الأشخاص الذين ارتكبوا الذنوب.. حيث قال لي أحدهم ممن لم يترك في معاملاته وأعماله شيئاً لم يرتكبه: عندما تشرّفت بخدمة المرحوم العلامة وأعطاني دستوراً فيه توبة، وكنت قد وصلت إليه في ليلة الثلاثاء، وكنت نادماً جداً على ما صدر مني من ذنوب، وفي حالة من الندامة والأسى، فقلت للمرحوم العلامة لقد صدر منّي الكثير من الذنوب والمعاصي، فقال لي إنّ الله يغفرها جميعاً! وما إن ذكر ذلك نظرت في نفسي فلم أجد أيّ ذنب وأيّ أثر لمعصية، ومهما تأمّلت لم أجد شيئاً، فقلت في نفسي: ماذا كنت تشعر قبل ساعة من الآن؟ نعم! كان يذكر الفعل الذي قام به، لكن اعتبار ذلك الفعل ذنباً ومعصية له أثر سلبي فلم يكن يراه كذلك! كان قد فعل أمراً وكان أمراً جميلاً [ضحك] لكن العجب أنّه لم يعد فيه كدورة.. انظروا هذا هو نفس ولي الله الذي يكون مطابقاً مع ظهور اسمي الرحمن والرحيم الإلهيين؛ لأنّ ولي الله مظهر لأسماء الله تعالى، فالعمل الذي يقوم به ولي الله يختلف عما نقوم به نحن كالاختلاف بين السماء والأرض! فهو في مقام بروز وظهور تلك الأسماء الإلهية؛ كما يقول تعالى في القرآن (أُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ) كيف يتمّ تبديل السيّئة بالحسنة؟! علينا أن نتأمّل كيف يحصل ذلك، كيف يمكن أن يكون لدينا شيء في الخارج منفّر يفرّ المرء منه ويشمئز منه.. ثم فجأة يتبدّل إلى أمر جميل وحسن لا يمكن التخلّي عنه؟! كيف يمكن ذلك؟
طبعاً من الناحية الظاهرية يمكن ذلك بأن يتبدّل التراب والنفايات بسبب بعض العوامل إلى أمور أخرى، هذا من الناحية الظاهرية، لكن كلامنا في أنّ تلك الحقيقة المنطوية داخل هذا الرجل.. وكنت أريد أن أتحدّث عن هذا الأمر اليوم، لكن كلامنا اليوم حصل في شيء آخر، كما هو في كل وعد نقطعه.. تلك الحقيقة المنطوية داخل هذا الرجل لا يمكن مقارنتها بسائر الأمور العادية، إذ كيف يمكن لتلك المسألة التي تحقّقت بسبب الكدورة النفسانية أن تتغيّر؟! هنا يظهر مقام إعجاز الباري تعالى؛ حيث يقوم الله تعالى بعمل لا يتحقّق من خلال غيره أبداً! وهو عبارة عن تغيير ماهوي للأشياء لا تغيير هوهوي، إذ يحصل تغيير ماهوي من مرتبة الكدورة إلى مرتبة النورانية والروحانية. وهذه المسألة ليست متاحة للجميع، بل هي مختصة بالأشخاص الذين أخرجوا أنفسهم من تحت التعلّقات وخطوا بقدم صادقة وخطى راسخة واهتمام بالغ في طريق الله تعالى وفي السلوك إليه. وفي المقابل، أول شيء يجازيهم الله به هو هذه المسألة؛ وهي أنّكم لم ترتكبوا أيّ شيء حتى الآن ولم تفعلوا أيّ ذنب، بل كل ما قمتم به من أعمال جعلت لكم فيه ثواباً! وهذا الأمر موجود لدينا ويمكننا أن نفعله! والمسألة هي كذلك فعلاً، ليست مزاحاً. وقد ذكرت لكم بأنّ المسألة ثابتة بالتجربة، ولو لم نفهم هذا الأمر لكان ينبغي علينا أن نجدّد النظر في أنفسنا، وعلينا أن نفكّر أكثر في الأمور الموجودة في داخلنا والمأسورين لها.
