
كيفية تأثير أعمال النفس على ملكوت الإنسان
ما هي حقيقة النفس الإنسانية؟ ما معنى رواية من اقترف ذنباً فارق عقل؟ وما معنى تبديل السيئات بالحسنات؟ وهل هي مختصة بالله دون الأئمة والأولياء؟ كيف يمكن أن نعتبر من قصص الماضين كقصة الزبير والحر الرياحي؟ وهل يمكن التهاون في اتباع الحق بعد اتضاحه؟ أم لا بد من المسارعة إلى اتباعه؟ أسئلة أجاب عليها المرحوم آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في هذه المحاضرة من شرح حديث عنوان البصري، بالإضافة إلى مواضيع أخرى تناولها، مثل أن بيان الآثار الملكوتية للأحكام بحاجة إلى نبي وولي، وأنّ هناك خطأ يقع به البعض في تفسير بعض الأحكام والتكاليف بأمور ظاهرية فقط، وتأثير ترك الطعام الحيواني على نورانية الإنسان، ومسألة الاستطاعة في الحج، وعدم جواز الاتيان بعمرتين في شهر واحد.
كيفية تأثير أعمال النفس على ملكوت الإنسان
2أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد
اللهم صل على محمد وآل محمد
وعلى آل بيته الطاهرين واللعنة على أعدائهم أجمعين
يقول الإمام الصادق عليه السلام في حديث عنوان الشريف: وجملة اشتغاله فيما أمره الله تعالى به ونهاه عنه. فالعبد الذي ينبغي أن يكون تحت عبودية الله تعالى وطاعته، ويريد أن يحصل على أعلى نصيب بأحسن وجه وبأقرب الطرق ويصل إلى أكمل مراتب الفعلية.. هذا العبد عليه أن يجعل جميع أموره ومشاغله منحصرة فيما أمره الله تعالى به ونهاه عنه.
لقد ذكرنا بأنّ هناك وجوهاً وأنظاراً مختلفة حول المراد من هذه الفقرة من الإمام عليه السلام. النظرة الأولى هي أنّ الإنسان ينبغي أن يكون نظره إلى أفعاله وكيفية تأثيرها على رشده وتكامل نفسه.
النفس الإنسانية مظهر إلهي لا يصل إلى كماله إلا بالعمل
فقد ذكرنا بأنّ النفس عبارة عن مظهر إلهي أنزله الله من مقام التوحيد والبساطة إلى مراتب التعيّنات وعالم الكثرة، ولا شك في وجود حكمة وراء هذا التنزيل، وهي عبارة عن التكامل والوصول إلى الفعلية وظهور ما هو مخفيّ في داخل هذه النفس. ومثاله واضح ـ وهو مشهود لنا جميعاً ـ فإنّ بعض الأفراد لديهم في نفس وجودهم وكمونهم استعدادات مختلفة للوصول إلى مراتب كمالية في هذا العالم؛ سواء كانت مادّية أم معنوية، لكن لا تصل إلى مرحلة الظهور إلا إذا وضع الإنسان نفسه تحت تربية خاصّة تنتهي به إلى تلك المرتبة الكمالية.
مثلاً، الإنسان لديه استعداد للوصول إلى أعلى مرتبة من مراتب العلم المعاصر، لكنّه ما لم يبذل اهتماماً لذلك ولم يكشف عن ساعد الهمّة ويذلّل الصعاب للوصول إلى هذا الأمر، فإنّه سيبقى في تلك المرتبة، حتى وإن مضى عليه ألف سنة وعمّر عمر نوح فلن يصل إلى نتيجة أبداً، بل لن يختلف حاله عن يومه الأول؛ لأنّ مضيّ الوقت ومرور السنين والأيام لا يؤثّر في تكامل الإنسان ورشده؛ سواء عمّر الإنسان عشرين سنة أم ألفي سنة لن يختلف حاله من هذه الناحية أبداً، وكل لحظة يصرفها من عمره في هذا الطريق فإنّه سيحصل بهذا المقدار على نتيجة ذلك. فإذا قرأت مقدار صفحة من هذا الكتاب فسوف تستفيد بمقدار صفحة، ولو قرأت صفحتين فسوف تستفيد بمقدار صفحتين. لذا فالله تعالى أعطى الإنسان عمراً محدّداً. وأعتقد بأنّه تمت الإشارة إلى هذه المسألة في السنوات الماضية، لا أدري هل يذكر الرفقاء ذلك أم لا؟ على كل حال سأذكر هذا المطلب من باب المقدّمة. فكلّ شخص في عالم الوجود له عمر محدّد؛ بعضهم عمره مائة سنة، بعضهم ثمانون سنة، وبعضهم خمسون سنة وبعضهم خمس سنوات، بعضهم مائتا سنة، وبعضهم أكثر من ألف سنة كنوح. ينقل أنّ لقمان عاش أكثر من ألف سنة. وكان هناك أشخاص في السابق يعيشون طويلاً؛ مثل سلمان الفارسي حيث ينقل بأنّه عاش ثلاثمائة سنة، وأقل ما ذكر له من العمر مائتا سنة، وكان في أواخر عمره حينما تشرّف بخدمة النبي ودخل الإسلام ووصل إلى تلك المراتب التي عليه الوصول إليها. فكل شخص له عمر خاص وعمره ليس باختياره، والله لا يتعامل معنا على أساس طول العمر أو قصره؛ بمعنى أنّ الحساب الذي يصلنا ليس على أساس طول العمر وقصره؛ لأنّ الحياة بشكل عام ليست باختيار الإنسان، وكذا الأمراض والابتلاءات ليست باختيار الإنسان، وليس للإنسان أي دور في ذلك. نعم، لديه مسؤولية بالنسبة إلى العمر الذي كتب له. يعني اليوم الذي هو يوم الجمعة الخامس من شهر ربيع الثاني هو يوم مقدّر من عمرنا، فكيف سنصرف هذا اليوم، لا علاقة لنا بالغد ولا بالأمس، فكل منهما له ملفّه الخاص به.
