
علّة تشريع الأحكام الدينية
هل ينبغي بناء حياة الإنسان على أساس محورية الله؟ وهل صحيح أنّ الشريعة هي تقييد لحرية الإنسان وأنّها مختصة بالمجتمعات السابقة دون مجتمعاتنا؟ هل السعادة والشقاء في الآخرة هما نتيجة حتمية لعمل الإنسان في الدنيا؟ وما تأثير هذه الأعمال على حياته الأخروية؟ وهل يمكن للإنسان أن يترقّى في مدارج الكمال بغير اختيار، أم لا بد من العمل الاختياري؟ مطالب تعرّض لها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في هذه المحاضرة، كما تناول غيرها من الأمور من قبيل اختلاف الناس في تعاملهم مع الأولياء، وأنّ السالك بمقدار ما يسلّم من نفسه لأستاذه بمقدار ما يحصل على نتيجة، وأثر الخطور السيّء على تكامل الإنسان.
علّة تشريع الأحكام الدينية
8فالنفس عندما تتغلّب على القوى العقلانية والإلهية في الإنسان يصير يصدر منه هكذا أعمال، وهذا الأمر ليس فيه ماضٍ وحاضر. وأولئك الذين يقولون بأنّ الإنسان قد تطوّر، فأين هذا التطوّر الإنساني؟ فهل ارتفعت هذه المسائل من البين؟! وهل بعد مضي ألف وأربعمائة سنة لم نعد نرى هذه المسائل؟ كلا! بل صرنا نراها بشكل أشدّ وأكثر! لذا ينبغي أن نقول: للأسف! فنحن من هذه الجهة، ليس فقط لم نتطوّر بل إنّنا نزلنا إلى الحضيض ومنتهى الذلّ والحقارة.
وهذا المطلب موجود في جميع أفراد البشر، وهو يحصل باختياره، لا أنّه دون اختيار..
الموجب لترقّي الإنسان هو العمل الاختياري
تحدّث المرحوم العلامة يوماً في جلسة حول هذه المسألة، وقال بأنّ الكثير من هذه المسائل التي يبتلى بها الإنسان ـ كالأمراض وسائر الابتلاءات غير الاختيارية ـ يعتقد البعض بأنّ هذه الابتلاءات موجبة لترقي الإنسان وتكامله الطولي، وأنّ هذه الأمراض توضح للإنسان الحقائق بشكل أوضح، وبالتالي يصير الإنسان أقرب إلى الله بسبب هذا التكامل الطولي. ثم قال: بأنّ هذه الابتلاءات وهذه الأمراض توجب تنظيف الإنسان وتصحيح الإنسان، لا أنّها توجب ترقّيه وتكامله، يعني أنّ الكدورة التي حصلت للإنسان من خلال الذنوب وأثقلت ظهره وأظلمت قلبه وجعلته يشعر بالكدورة والثقل، سوف ترتفع عنه بواسطة هذه الابتلاءات وهذه الأمراض، ولدينا الكثير من الروايات التي تفيد ذلك. أما التكامل والترقّي الذي يحصل للإنسان إنّما يتحقّق فقط من خلال اكتسابه الأمور الاختيارية والإرادية، يعني ما لم يفعل الإنسان شيئاً باختياره وإرادته فلن يحصل له تكامل طولي، وهذا التكامل الطولي مشروط بالعمل والاكتساب.
ورد في الآية التالية: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ)۱. فينبغي أن يكون قد آمن وعمل صالحاً، أما الإيمان وحده فلا يكفي، ومجرّد الاعتقاد لا فائدة فيه، فإذا لم يتبعه بالعمل، فلن يكون معتقداً واقعاً، بل سيكون مخادعاً لنفسه. فالله تعالى إنّما يهدي الذين آمنوا بإيمانهم؛ يعني بالمقدار الذي يكون الإيمان راسخاً في قلوبهم يكون لديهم تكامل. إذن فلنصلح إيماننا ولنعمل على تحصيل ما هو المطلوب منّا في مجال الإيمان، هذه هي المسألة المهمّة. فالهداية إنّما تحصل من خلال الإيمان، فبمقدار ما يكون نور الإيمان أشدّ في قلوبهم بمقدار ما يحصل لديهم هداية، وكلّما نقص الإيمان نقصت الهداية بمقدارها.
- ـ سورة يونس، الآية ٩
