
علّة تشريع الأحكام الدينية
هل ينبغي بناء حياة الإنسان على أساس محورية الله؟ وهل صحيح أنّ الشريعة هي تقييد لحرية الإنسان وأنّها مختصة بالمجتمعات السابقة دون مجتمعاتنا؟ هل السعادة والشقاء في الآخرة هما نتيجة حتمية لعمل الإنسان في الدنيا؟ وما تأثير هذه الأعمال على حياته الأخروية؟ وهل يمكن للإنسان أن يترقّى في مدارج الكمال بغير اختيار، أم لا بد من العمل الاختياري؟ مطالب تعرّض لها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في هذه المحاضرة، كما تناول غيرها من الأمور من قبيل اختلاف الناس في تعاملهم مع الأولياء، وأنّ السالك بمقدار ما يسلّم من نفسه لأستاذه بمقدار ما يحصل على نتيجة، وأثر الخطور السيّء على تكامل الإنسان.
علّة تشريع الأحكام الدينية
11ومن هؤلاء الأفراد كان بعض العلماء والأعاظم؛ حيث كانوا مع المرحوم العلامة لكنّهم تخلّوا عنه في أمورهم الاجتماعية. وقد ذكرت لكم قصّتهم. وعندما سأله أستاذه لماذا لم تبيّن له ما فيه صلاحه؟ ولماذا لم يطعك في هذه الأمور؟ أجابه المرحوم العلامة: خفت أن أبيّن له ذلك فلا يعمل، لذا لم أبيّن له من أول الأمر شيئاً.
أنظر! هو نفسه يعترف بأنّ ما حصل عليه إنّما هو من العلامة، ويقرّ بأنّه لم يرَ مثله، وبأنّ هذا التغيير الذي حصل له إنّما حصل من قِبَله، لكن ذاك الميزان من الإيمان والمقدار من التفكير الصحيح بالنسبة إلى وليّ الله لم يكن قد وصل إلى درجة أن يسلّم له بتمام وجوده، ويجعله يسيطر على جميع حركاته ويتحكّم بتمام أفكاره، بل كان قد ترك مقداراً لنفسه. أو بعبارة أخرى، سلّم الوليّ مقداراً من نفسه فقط وترك الباقي له! وهنا عندما سألت العلامة إلى أيّ حدّ كان معك؟ قال لي: لقد أعطاني عُشر وجوده، وبقي لديه تسعة أعشار، لكن انظروا كم غيّر هذا العُشر من وجود الإنسان؟ وأي آثار أوجدها فيه؟! وانظروا ماذا فعل بتسعة أعشاره الباقية؟
بمقدار ما يسلّم السالك أستاذه من نفسه بمقدار ما يحصل على نتيجة
كيف صار المرحوم العلامة رضوان الله عليه العلامة الطهراني وبهذه الخصوصيات؟ الجميع يعرف بأنّه قد سلّم أستاذه عشرة أعشاره، لا عُشراً واحداً ولا عُشريْن ولا ثلاثة أعشار، بل أعطى جميع وجوده لأستاذه. وهنا يأخذ الأفراد بمقدار إيمانهم، (يهْدِيهِمُ اللَه بِإِيمانِهِم)، فإن أعطى عُشراً من وجوده يهديه بمقدار العُشر، وإن أعطى عُشريْن يأخذ بهذا المقدار، وإن أعطى ثلاثة أعشار فكذلك، إلى أن يُسلّم تمام قلبه ودائرة نفسه ويجعلها تحت تصرّف أستاذه. من هو كذلك؟ هو الذي يجعل ـ بحسب كلام الإمام الصادق عليه السلام ـ تمام اشتغاله في أوامر الله ونواهيه، لا أنّه يجعل مقداراً منها فقط؛ بأن يقول أنا معكم إلى حدّ المسائل السياسية، فإن بلغت السياسة فأنا بالاختيار! لكن هذا ليس تسليماً لتمامك! لذا كنت أقترح عليهم [على الذين لا يسلّمون تمام أنفسهم] ليتكم تقرؤوا رواية الإمام الصادق عليه السلام مرتين في اليوم حتى تكونوا متّبعين له في كل الأمور. لقد ذهبت أنت والعلامة الآن! فهل عرفت هناك أيّ خسارة قد حلّت بك؟ علينا أن لا ننظر إلى هذه الدعايات والشائعات وأمثالها، بل علينا أن ننظر إلى ذاك العالم، ماذا يجري هناك؟ لا ما يجري هنا، فهنا أمور كثيرة! وعلينا أن نعتبر هذه الأمور بمثابة جرس إنذار ونداء عبرة.
