
علّة تشريع الأحكام الدينية
هل ينبغي بناء حياة الإنسان على أساس محورية الله؟ وهل صحيح أنّ الشريعة هي تقييد لحرية الإنسان وأنّها مختصة بالمجتمعات السابقة دون مجتمعاتنا؟ هل السعادة والشقاء في الآخرة هما نتيجة حتمية لعمل الإنسان في الدنيا؟ وما تأثير هذه الأعمال على حياته الأخروية؟ وهل يمكن للإنسان أن يترقّى في مدارج الكمال بغير اختيار، أم لا بد من العمل الاختياري؟ مطالب تعرّض لها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في هذه المحاضرة، كما تناول غيرها من الأمور من قبيل اختلاف الناس في تعاملهم مع الأولياء، وأنّ السالك بمقدار ما يسلّم من نفسه لأستاذه بمقدار ما يحصل على نتيجة، وأثر الخطور السيّء على تكامل الإنسان.
علّة تشريع الأحكام الدينية
7بناء على ذلك، فإرادة الله تعالى وعنايته بالنسبة إلى جميع المخلوقات على نحو سواء، ولا تفاوت بين أحد منهم أبداً، ونسبته إلى الجميع بنحو واحد. نعم هناك أشخاص يختارون طريقهم ومصيرهم بأنفسهم ولديهم إرادة في ذلك، فقد ذكرت المطالب للجميع وبيّن الطريق للجميع؛ لكن يأتي شخص ويختار هذا الطريق وشخص آخر يختار طريقاً آخر. لقد جعل الله تعالى للإنسان رفيقين؛ أحدهما يهديه إلى الإيمان والتقوى، والآخر يسوقه إلى الدنيا والشهوات واللذّات وترك الدين، والإنسان حرّ في اختيار أيّ الرفيقين منهما، فبعضهم يختار هذا الرفيق وبعضهم يختار ذاك. والمسألة هي كذلك.
الفرق بين عليّ ومعاوية في العمل الإلهي أو العمل الشيطاني
لقد تم بيان الطريق للجميع؛ بعضهم يذهب باختياره إلى هذا الطرف وبعضهم إلى ذلك، فهذا يصير رسول الله وذاك يصير معاوية بن أبي سفيان.
لقد ذكرت لكم في الجلسات السابقة بأنّ الفرق بين معاوية وأمير المؤمنين يكمن في أنّ لكلّ منهما عقلاً، غاية الأمر أنّ هذا استعمل عقله في الأمور الإلهيّة فصار عليّ بن أبي طالب، وذاك استعمل عقله في الشيطنة فصار معاوية، فهو لم يكن معاوية من البداية، ولا تتصوّروا بأنّ الإدراك والفهم قد خرجا منه بشكل كامل، فقد جاءه الكثير من الأشخاص من الكوفة أو من المدينة؛ ومنهم صعصعة بن صوحان ومنهم حجر بن عدي، ومنهم بعض النساء اللاتي قدمن على معاوية للتحدّث معه ببعض المسائل، وعندما جرى الحديث عن أمير المؤمنين وكانوا يتحدّثون أمام معاوية عن أمير المؤمنين، كان يبكي وتجري دموعه، لم يكن يخادع في ذلك، بل إنّه كان يتأثّر واقعاً بكلامهم.
نفس المأمون الملعون قاتل الإمام الرضا عليه السلام، بقي إلى سنوات بعد قتله الإمام، عندما يذكر اسم الرضا أمامه كان يبكي، ولم يكن يتظاهر في ذلك! هؤلاء لم يتبدّلوا بشكل كامل إلى حجر وحديد لا إحساس لهم ولا فكر لديهم، كلا بل كانوا بشراً، غاية الأمر أنّهم بقوا معاندين، فلماذا لا تعطي الحقّ لولده محمد بن علي الجواد، والحال أنّك تعلم بأنّه وولده هم الحق؟ سيقول لك: إنّ الملك عقيم! والسلطة لا تعرف أماً ولا أباً، فكل من تغلّب واستوى على السلطة فلن يلحظ أحداً أبداً، فحتى لو نازعه في ذلك ابنه فسوف يقضي عليه. ألم يفعل ذلك الملوك؟ ألم يقلع بعضهم عيون أبنائهم، ألم يقتل بعضهم ابنه؟! نعم فعل ذلك، وبمجرّد توهّمه بأنّ هذا الولد سوف ينحّيه ويستولي على الملك كان يسلّ عينه أو يقتله.. ولا زلنا نرى ذلك حتى اليوم، ونرى ماذا يجري في هذه الدنيا.
