
التكاليف الإلهية بنظر مدرسة العرفاء
لماذا علينا أن نشتغل بالتكاليف الإلهية؟ وماذا ينبغي للإنسان أن يجعل الإنسان هدفه في الوصول إلى الكمال؟ وهل للتكاليف آثار تكوينية على المكلّف؟ وما هي تلك الآثار؟ وهل مجرّد الارتباط القلبي بالله دون العمل يكفي في تكامل الإنسان؟ أسئلة أجاب عنها سماحة آية الله السيد محمد محسين الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في هذه المحاضرة، بالإضافة إلى مواضيع أخرى من قبيل ضرورة تهذيب النفس قبل التصدّي للعمل الاجتماعي، وأنّه لا يجوز التصدّي للفتيا من دون تهذيب أو ارتباط بالإمام عليه السلام
التكاليف الإلهية بنظر مدرسة العرفاء
2أعوذُ باللهِ منَ الشّيطانِ الرّجيم
بسمِ الله الرّحمنِ الرّحيم
الحمدُ لِلّه ربِّ العالمينَ والصّلاةُ والسّلامُ على سيّدنا ونبينا أبي القاسم
محمّدٍ (اللهم صل على محمد وآل محمد)
وعلى أهل بيته الطّاهرينَ
واللعنة على أعدائِهم أجمعين إلى يوم الدين
يقول الإمام الصادق عليه السلام بعد العبارة السابقة: "وَجُملَةُ اشتِغَالِهِ فِيمَا أَمَرَهُ اللَه تَعَالَى بِهِ وَ نهَاهُ عَنه".
لكي يصل العبد إلى مقام العبودية ويتحقّق بهذا المعنى في وجوده واتصاله سرّه ونفسه بذات الباري تعالى؛ بحيث لا يعود فيه أي نوع من شائبة الكثرة والأنانية والنفسانية، وتضمحلّ تمام زوايا التعلّق في وجوده.. لا بد أن يكون تمام اشتغاله والأعمال التي يقوم بها منحصرة بما أمره الله به والانتهاء عما نهاه عنه.
امتثال التكليف للوصول إلى الكمال
عبارة جملة اشتغاله؛ يعني بأن تكون جميع أعماله وتمام أموره وبرامجه كلها لله، وكلمة (جملة) تعني أن لا يترك شيئاً إلا ويكون لله، لا أن يكون بعضه عمله كذلك والبعض الآخر لا، وإلا فلن يكون جملة اشتغاله. فعبارة بالجملة تعني الجميع، يعني جميع أموره ينبغي أن تهدف إلى هذه المسألة، وهذه العبارة غنية جداً، فالإمام لم يقل بأنّ أعماله مطابقة لرضا الله، فهذه العبارة عاديّة والجميع يستعملها ويقولون: ينبغي أن تكون أعماله مطابقة لرضا الله ومرضية له وممضاة من قبله، وأن تكون حياته قائمة على أساس التكليف.. فهذه العبارات يمكنها أن توصل المعنى، لكنّها لا تؤدّي ما يريده الإمام عليه السلام من التأكيد في كلامه.
والإمام عليه السلام بهذه العبارة التي ذكرها يبيّن ذاك التأكيد أيضاً فيقول: "وجملة اشتغاله"، أي جميع مسائله وبرامجه وأموره ينبغي أن تكون كذلك.
حسناً، لماذا ينبغي أن تكون كذلك؟ لماذا ينبغي على الإنسان ـ لكي يصل إلى مقام العبودية والتي هي أعلى مراتب المعرفة والكمال الإنساني كما أشرنا إليه مراراً ـ أن يجعل جميع أموره طبقاً لرضا الله، وأن يعمل بما هو مأمور به ويترك ما هو منهيّ عنه. لماذا عليه أن يكون كذلك؟ لماذا يحمّلنا الله هذا الحمل؟ ولماذا يضيّق علينا هكذا؟ حيث نسمع الآن من يقول لماذا جعلنا الله تعالى في هذه المضيقة؟ ولماذا ينبغي أن نكون كذلك؟ لماذا لا يترك لنا الاختيار؟ لماذا لا يكون الإنسان حراً في فعله وحياته؟ بأن يكون حراً في كل أموره وفي كل مسائله؛ في فكره وعمله، ولماذا يسلب الاختيار من الإنسان؟ لماذا يقول الإمام الصادق بأنّ جميع حياتك وبرنامجك لله، لا بعض أعمالك، أو في بعض أيامك، أو عندما تسمح نفسك بالعمل لله تعمل، وإن لم تسمح تعمل ما يحلو لك؟ ما هو السر في هذه المسألة؟ ولماذا كل هذا التأكيد من الإمام؟ وعلى أي أساس هو؟ وإذا لم نعمل بذلك فما الذي يمكن أن يحصل، وما الذي يمكن أن نخسره؟ وبطبيعة الحال فهذه التساؤلات كانت مطروحة سابقاً، ولا زالت تطرح الآن أيضاً!
