
التكاليف الإلهية بنظر مدرسة العرفاء
لماذا علينا أن نشتغل بالتكاليف الإلهية؟ وماذا ينبغي للإنسان أن يجعل الإنسان هدفه في الوصول إلى الكمال؟ وهل للتكاليف آثار تكوينية على المكلّف؟ وما هي تلك الآثار؟ وهل مجرّد الارتباط القلبي بالله دون العمل يكفي في تكامل الإنسان؟ أسئلة أجاب عنها سماحة آية الله السيد محمد محسين الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في هذه المحاضرة، بالإضافة إلى مواضيع أخرى من قبيل ضرورة تهذيب النفس قبل التصدّي للعمل الاجتماعي، وأنّه لا يجوز التصدّي للفتيا من دون تهذيب أو ارتباط بالإمام عليه السلام
التكاليف الإلهية بنظر مدرسة العرفاء
17الصلاة أفضل وسيلة لارتباط الإنسان بالله
حسناً، لو فرضنا أنّ الله قال لنا بأنّي قد رفعت عنكم الصلاة ـ إما لمدة محدودة أو دائماً ـ يعني أنّه رفع هذه الوسيلة من الارتباط به! فهل علينا أن نفرح بذلك ونقول الحمد لله لقد رفع عنّا تكليف، فلن يعاقبنا على عدم إتياننا بالصلاة، أو علينا أن نلطم وجوهنا عندئذٍ! فقد سلب منّا أعلى وأفضل وسيلة لارتباط الإنسان بالله، بمعنى أنّه رفع الآثار المترتبة على هذا التكليف ورفع تلك النعمة التي تحصل لنا من خلال الصلاة؟ هذا نوع من التفكير وفهم التكليف. بناء على ما يمليه الإسلام والأئمّة عليهم السلام نرى أنّ مسألة التكليف من هذا القبيل؛ بمعنى أنّ الأوامر والنواهي هي أوامر ونواهي تكوينية، فإن لم نمتثل يعني أنّنا خسرنا، دون أن يكون هناك شيء آخر، وعليه ينبغي أن يقال للخواجة سعدي عندما قال:
عبادت به جز خدمت خلق نیست *** به تسبیح و سجادّه و دلق نیست (العبادة ليست هي سوى خدمة خلق الله، وهي ليست عبارة عن التسبيح والصلاة والذكر)
يقال له لقد أخطأت بهذا الكلام! حيث ظن أنّ معنى العبادة أن يأتي جماعة ويصلّوا دون أن يترتّب على هذا الفعل أي أثر، لو كان جناب سعدي يدرك لحظة واحدة من لذّة عبادة الصلاة والصوم والارتباط بالله لما صدر منه هذا الكلام. نعم، نحن نقبل بأنّ خدمة الخلق من أفضل العبادات، لكن لا أن نقول بأنّ العبادة ليس سوى الخدمة.
خدمة الناس وقضاء حاجة المؤمن ينبغي أن تكون بعد تهذيب النفس وتزكيتها
سأل المرحوم العلامة يوماً أستاذه المرحوم الشيخ الأنصاري عن أفضل عمل في الطريق إلى الله يوصل الإنسان بسرعة إلى المقصود؟ فقال له: بعد القيام بالفرائض والواجبات وترك المحرّمات، أفضل عمل يوصل الإنسان إلى الله هو قضاء حاجة المؤمن! نعم خدمة الخلق مهمة جداً، ولدينا الكثير من الروايات التي تؤكّد ذلك۱، لكن لا أنّه لا يوجد سوى خدمة الخلق. فما لم يصل الإنسان إلى مقام التهذيب في مقام العبادة والإتيان بالتكليف لا يمكنه خدمة الناس، لقد جعلنا خدمة الناس ـ من دون ملاحظة جانب التهذيب ـ وسيلة للفرار من السير على الطريق والفرار من التكليف.
- . راجع: الكافي، ج ٢، ص ۱٩٢، باب قضاء حاجة المؤمن.
