
التكاليف الإلهية بنظر مدرسة العرفاء
لماذا علينا أن نشتغل بالتكاليف الإلهية؟ وماذا ينبغي للإنسان أن يجعل الإنسان هدفه في الوصول إلى الكمال؟ وهل للتكاليف آثار تكوينية على المكلّف؟ وما هي تلك الآثار؟ وهل مجرّد الارتباط القلبي بالله دون العمل يكفي في تكامل الإنسان؟ أسئلة أجاب عنها سماحة آية الله السيد محمد محسين الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في هذه المحاضرة، بالإضافة إلى مواضيع أخرى من قبيل ضرورة تهذيب النفس قبل التصدّي للعمل الاجتماعي، وأنّه لا يجوز التصدّي للفتيا من دون تهذيب أو ارتباط بالإمام عليه السلام
التكاليف الإلهية بنظر مدرسة العرفاء
14كنت في مكان ما أتحدّث مع شخص لا يصلّي ولا يعتقد بالنبي ولا بأحد، لكنّه يعتقد بوجود الله ـ وظاهراً أنّه توفي بعد ذلك ـ فقلت له حسناً، كيف ترتبط بالله الذي تعتقد به؟! فقال أجلس وأرتبط به وأخاطبه أنت يا إلهي جميل وحسن وأمثال ذلك.. فقلت له جيد، كم مضى من عمرك؟ قال: سبعون عاماً، فقلت: ما الذي أضيف إليك خلال هذه السنوات السبعون؟ ماذا أضيف إلى معرفتك؟ فأنت منذ خمسين سنة كنت تفعل هكذا، لكن لم يضف إليك شيء، ولم تترقّ شيئاً! ولم يضف إليك أي مطلب جديد! وكان طبيباً متخصصاً، ومتمكّناً من ناحية العلوم العصرية ومطلّعاً عليها، لكنه من الناحية المعنوية كان فارغاً. وفي النهاية مات وهو بهذا الارتباط الباطني بالله؛ حيث سقطت به طيارته الخاصة ومات هو وأحد أقاربه.
حسناً، ما النتيجة التي ترتّبت على عمله هذا؟ لا شيء! لماذا؟ لأنّ تصوّره عن التكاليف لم يكن تصوّراً صحيحاً، بل كان تصوّراً خاطئاً، وكان يتخيّل بأنّ التكاليف التي يقوم بها أتى بها إنسان عادي، فيقول لماذا أتّبع هذا الإنسان الذي أسميناه النبي، فأنا بنفسي إنسان بإمكاني أن أعمل أنا، فهؤلاء بشر.. ألا يقال هذا الكلام اليوم؟! الأنبياء هم أشخاص أرضيون وبشر ترابيّون مثلنا، وهم أشخاص ولدوا من رحم المجتمع مثلما ولدنا نحن.
التعامل مع التكاليف على أساس آثارها التكوينية
من هنا، فإن أدركنا أنّ التكاليف التي أرسلها الله عبر الأنبياء هي لأجلنا نحن فسوف نتعامل منذ البداية معها كما نتعامل مع وصفة الطبيب التي يكتبها لعلاج المريض، فنعتبرها تكاليف لأجلنا نحن ولأجل تكاملنا في الحياة ورفع الأمراض؛ فإذا لم نأكل سوف نموت بعد عشرة أيام، وإن لم نشرب فلن نعيش لأكثر من أيام معدودة، وإذا لم نتنفّس فسوف نختنق ونموت بعد دقيقة أو دقيقتين، ولا مزاح في المسألة. فإذا أدركنا هذه القضية فعندئذٍ سوف تتغيّر نظرتنا إلى التكاليف؛ ولن نعتبر أنّ الله تعالى قد فرض علينا التكاليف من باب التحميل أو التقليد والتعبّد، بل ستكون هذه التكاليف منطقية، لها حكم الدواء في تكامل الإنسان. وعند ذلك يمكن أن ننتظر حلول وقت الظهر، ونقول متى يصير الظهر لنصلّي؟ كما أنّنا عندما نكون مرضى ننتظر حلول وقت تناول الدواء؟ وهكذا بالنسبة إلى الوصول إلى شهر رمضان ننتظر بفارغ الصبر، ولأجل الذهاب إلى الحج لا نضع يداً على الأخرى وننتظر حصول الوقت والشروط، فإنّنا لو علمنا كم يترك الحج أثراً على تكاملنا، لبدأنا من الآن بالتفكير في الذهاب إلى الحج، غاية الأمر أنّه يكون ضمن المسار الذي بُيّن لنا، لا بشكل يحصل معه اختلال في حياة الإنسان، ولا بالشكل الذي ذكره الآخرون [من التساهل في تحصيل الاستطاعة].
