
التكاليف الإلهية بنظر مدرسة العرفاء
لماذا علينا أن نشتغل بالتكاليف الإلهية؟ وماذا ينبغي للإنسان أن يجعل الإنسان هدفه في الوصول إلى الكمال؟ وهل للتكاليف آثار تكوينية على المكلّف؟ وما هي تلك الآثار؟ وهل مجرّد الارتباط القلبي بالله دون العمل يكفي في تكامل الإنسان؟ أسئلة أجاب عنها سماحة آية الله السيد محمد محسين الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في هذه المحاضرة، بالإضافة إلى مواضيع أخرى من قبيل ضرورة تهذيب النفس قبل التصدّي للعمل الاجتماعي، وأنّه لا يجوز التصدّي للفتيا من دون تهذيب أو ارتباط بالإمام عليه السلام
التكاليف الإلهية بنظر مدرسة العرفاء
12التكاليف لها آثار تكوينية في تكامل الإنسان
إذا أصلحنا فكرنا فسوف نصل إلى واقعية مختلفة، وسنشعر في أنفسنا بالتغيير شيئاً فشيئاً وسنرى التبدل. وإصلاح الفكر يتحقّق عندما ننظر إلى قيامنا بفعل الواجبات وترك المحرّمات، من باب تناول الطعام والدواء لصحتنا ورفع أمراضنا. فإذا فرضنا أنّك زرعت شجرة، فهي بحاجة إلى تراب لتنمو وبحاجة إلى سماد وماء وهواء وبحاجة إلى خدمة، فإن هيّأت لها ذلك سوف تنمو وإلا فلا. فالإتيان بهذه الأمور عبارة عن ما ينبغي وما لا ينبغي بالنسبة إلى نمو هذه الشجرة، وإذا لم يتم رعاية ذلك فسوف تيبس وتموت. فلا يمكنك أن تتخلّى عن هذه المسؤولية في استمرار نمو الشجرة، ولا الشجرة يمكنها أن تقول لست بحاجة إليك، اتركني ونفسي وأنا أرتب أموري بنفسي.. لا يمكن ذلك، وإلا فلن يكون لها مكان في الحديقة ولن تنفع في الزينة أو في أي شيء آخر.
تقديم الخدمة للنبتة يعتبر قانوناً تكوينياً ومنطقياً، وهذا القانون ملزم لكلا الطرفين، وإن لم يلتزم به فسوف تموت النبتة، ولا مزاح في ذلك. فلا النبتة يمكنها أن تقول دعني وشأني، ولا يمكن لصاحب النبتة أن يتركها؛ لأنّ هذا القانون قانون تكويني، وقانون عقلائي وعقلاني، وإن لم تفعل ذلك فسوف تخسر مالك وتذهب جهودك هدراً.
من يكون مريضاً ويراجع الطبيب، لا يمكنه الاكتفاء بمجرد الذهاب إلى الطبيب دون العمل بما يصفه له، فالعمل بما يصفه له يعتبر قانوناً تكوينياً لا تعبدياً، فلا تقول للطبيب أنا سأعمل بما وصفته لي لأجلك أنت! إذ سيقول لك إن شئت أن لا تعمل فلا تعمل بها! لكنك ستعمل بها! لماذا؟ لأنّ التكوين يجبرك على ذلك، لأنّك إن لم تفعل ستموت، أو تصم مثلاً أو تعمى؛ إن لم تضع هذه القطرة في عينك فسوف تعمى إلى آخر عمرك، سوف تتلف القرنية ولن يكون هناك سبيل لعلاجها بعد ذلك! أو قد تتمزّق الشبكية ولا يعود هناك إمكانية لإصلاحها. فإن كان لديك مرض السكري ولم تعالج نفسك سوف تعمى، لذا عليك أن تجتنب أكل السكر؛ لماذا؟ لأنّك تعلم ما هي العواقب المترتبة على ذلك، وتعلم ماذا عليك أن تفعل وماذا عليك أن تجتنب، وإن لم تعمل بهذه الأمور فسوف تصاب بعواقب شتى. هذا هو القانون التكويني.
