
العلاقة الزوجيّة
حقيقتها، أساسها، وتأثيرها في كمال الإنسان
ما هو الهدف من خلقة بدن الإنسان؟ لماذا جعل الله تعالى الذكورة والأنوثة في عالم الدنيا؟ لأيّ شيء وُضعت الأحكام الإسلاميّة؟ ما هو الهدف من تشريع الزواج في الإسلام؟ ما هي حقيقة الزواج في عالم القيامة؟ ما هو الأساس الذي تتكّئ عليه العلاقة الزوجيّة؟ ما هو التأثير السلبيّ للخلافات الزوجيّة على حياة الإنسان؟ ما هو دور المحبّة الزوجيّة في تعلّق الإنسان بالله تعالى؟ هي تساؤلات سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لإكمال حديثه عن العلاقة الزوجيّة القائمة بين الرجل والمرأة.
العلاقة الزوجيّة
13ومن هنا، فإنّ المرأة والرجل سواسية من هذه الناحية؛ أي أنّ حتّى خصائصهما الظاهريّة ستتغيّر في يوم القيامة وتتبدّل بتأثير من قواهما الروحيّة في المراتب الكماليّة؛ ولهذا، جاء الشارع المقدّس، ووضع مجموعة من القوانين للوصول إلى هذه الدرجة الكماليّة؛ فما هي هذه القوانين؟ هي عبارة عن قوانين يُمكن فيها للمرأة (في تلك المرتبة التي خلقها الله تعالى فيها)، وللرجل (في تلك المرتبة التي خلقه الله فيها) أن يتحرّكا ويسيرا إلى جانب بعضهما؛ لكن، هل هذا يعني أنّ لهما تكليف واحد، وأنّ عليهما معًا أن يُؤدّيا عملاً واحدًا، أم أنّ المسؤوليّة قد وُزّعت بينهما هنا؟ فالله تعالى ألقى على عاتق الرجل مسؤوليّة خاصّة، وعلى عاتق المرأة مسؤوليّة أخرى، بحيث إذا عمل كلّ واحد منهما بالمسؤوليّة المكلّف بها، فإنّه سيصل إلى تلك النقطة [من الكمال]؛ وإذا لم يعمل بها، فإنّه لن يصل إليها؛ فحتّى الرجل إذا لم يُؤدّ تكليفه، فإنّه لن يصل إلى تلك الدرجة؛ لكن، ما هي هذه المسؤوليّات والتكاليف؟ سنسعى للبحث عنها في الجلسات القادمة إن شاء الله تعالى.
الأساس الراسخ للعلاقة الزوجيّة هو طاعة الله تعالى
لكنّ الوصول إلى تلك الدرجة الكماليّة يلزمه طاعة الرجل لله تعالى فيما يرتبط بتكاليفه، وطاعة المرأة لله تعالى لا للرجل، بل لله تعالى فيما يرتبط بتكاليفها؛ فحينما يُريد كلّ من الرجل والمرأة أن يقوما بعمل من الأعمال له ارتباط بتكاليفهما، ويُؤدّيا مسؤوليّة ملقاة على عاتقيهما، فلا ينبغي أن يكون ذلك لأجل الطرف الآخر، بل يجب أن يكون هدفهما من تلك العلاقة أعلى؛ أي طاعة الله تعالى؛ وأمّا إذا كانت العلاقة بين المرأة وزوجها قائمة على أساس الغريزة فقط، فإنّ هذه الغريزة تبرز يومًا، وتختفي يومًا آخر؛ وإذا كانت متّكئة على مجرّد مسائل ظاهريّة، فإنّ العديد من المشاكل ستحصل. ينبغي أن تكون العلاقة بين المرأة وزوجها قائمة على أساس طاعة الله تعالى؛ بمعنى أنّه: يجب أن تكون الجذور والأسس والقواعد التي تستند إليها العلاقات دائميّة، وغير معرّضة للزوال؛ فمهما تعرّض الطرفان للاضطرابات، والتقلّبات، فإنّ ذلك الأساس والأصل يظلّ موجودًا؛ ففي جميع مراحل الحياة يبقى ذلك الأساس والأصل ـ وهو عبارة عن الامتثال للتكاليف ـ موجودًا، سواءً كان الطرفان يتمتّعان بالصحّة، أو مريضين؛ فهذا هو المبدأ الذي جعله الله تعالى محورًا لثبات الحياة واستقرارها؛ وعلى هذا الأساس، ستضحى المحبّة اللازمة لاستمرار الحياة متجذّرة وغير سطحيّة. فكم لدينا من الروايات والآيات الشريفة التي تُصرّح بأنّ الأصل والهدف من الحياة العائليّة وبنائها هو الحبّ: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها ...﴾۱؛ أي: لقد جعلنا لكم من أنفسكم، ومن بينكم، سواءً كنتم نساءً أو رجالاً أزواجًا، حتّى تحصلوا على السكينة، والهدوء، وتشعروا بالراحة في حياتكم الدنيا؛ فالهدف من هذه الحياة [العائليّة] هو: ﴿لِتَسْكُنُوا﴾؛ أي حتّى تحصلوا على السكينة والهدوء، لا أن يتمّ تحميل كلّ من الرجل والمرأة بواسطة هذه الحياة حملاً ثقيلاً من المشاكل، والتخيّلات، والهموم، والأحزان، والغصص؛ فالحياة المترافقة مع الهمّ والغمّ والحزن عدمُها خير من وجودها؛ والحياة المبنيّة على أساس الخلافات عدمُها أفضل من وجودها.. ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً ورَحْمَةً ...﴾٢؛ أي أنّ أساس الحياة هو المحبّة؛ وهذه مسألة عجيبة جدًّا، حيث من المشهود أنّ الحياة التي يسودها الحبّ والعشق والتعلّق بين المرأة وزوجها تتنزّل عليها رحمة الله تعالى؛ فإذا خلت الحياة من الخلافات والشجارات والكدورات وعدم الرضا، فإنّه من الواضح أنّ رحمة الله تعالى ستلعب دورًا أساسيًّا في هذه الحياة؛ فهذه المسألة مشهودة، أي أنّها حقيقيّة، ولا مزاح فيها.
- سورة الروم، الآية ٢۱.
- سورة الروم، الآية ٢۱.
