
أسلوب التعامل مع الحقائق الدينيّة وبيانها
ما هو دور الدين في حياة الإنسان؟ ما هي حكمة تشريع العبادات الواجبة والمستحبّة؟ هل الإنسان مكلّف بإجبار الناس على الهداية؟ أ يكون العجز عن فهم النصوص الدينيّة مسوّغًا لإسقاطها من الدين؟ من هم المؤّهلون لمعرفة الحقائق الدينيّة؟ هل يجوز إخفاء الحقيقة إرضاءً لطائفة معيّنة؟ ما هو الأساس الذي تعتمد عليه مسألة الطاعة؟ هي تساؤلات سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها كمقدّمة للبحث عن مسألة طاعة الزوجة لزوجها؛ علاوةً على استعراضه لمجموعة من القضايا الأخرى في الضمن.
أسلوب التعامل مع الحقائق الدينيّة وبيانها
7فلا يصحّ أن يمتنع الإنسان عن بيان مسألة واقعيّة وحقيقيّة، خوفًا من أن يكره الناس أمير المؤمنين؛ فليكرهوه، فذلك شأنهم! فهل قال أمير المؤمنين هذا الكلام أم لم يقله؟ إذا لم يقله، بيّنوا ذلك بكلّ وضوح، وائتوا بدليلكم على ذلك. ومن المؤسف حقًّا أن نشعر بهذا المرض الذي ألمّ بنا، حيث صرنا نرى أنفسنا أشفق من الأمّ على ولدها، ونعتبر أنفسنا أوصياء [على الدين]، في حين أنّنا نلجأ بواسطة هذه المسألة إلى حرمان الناس من نعم شتّى، ولا ندع الحقائق تصل إلى أسماعهم، ونظنّ أنّنا نمشي في الطريق الصواب.
ومن العجيب حقًّا أن هذه المسألة كانت موجودة في العصور السابقة أيضًا، أي أنّ شكلها واحد، أو بعبارة أخرى: حقيقتها وجذورها واحدة، لكنّ أشكالها مختلفة. لقد كان الحجّاج بن يوسف الثقفيّ يستند إلى آية ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾۱ من أجل إثبات إمارته، حيث كان يقول: «أنا وليّ الأمر، وتجب عليكم طاعتي»! فقتل ثمانين ألفًا من شيعة أمير المؤمنين، ودفن بعضهم داخل الجدران، ثمّ صعد المنبر، وسعى للاستناد إلى نفس هذه الآية الكريمة [لتبرير فعلته]؛٢ وحينئذ، فليعجب ذلك بعضًا من الناس، أو لا يُعجبهم، فلا يهمّ!
طاعة المرأة لزوجها لا تبتني على مسألة القوّة الظاهريّة والإنفاق
أذكر أنّني كنت أتحدّث ذات يوم في مشهد عن ثلّة من الانحرافات والأمور التي شاهدتها في بعض الكتب، وما ورد فيها من مسائل مخالفة لما قاله الإسلام، ومن جملة ذلك ما جاء في أحد الكتب عن آية ﴿الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ﴾،٣ حيث تعجّبتُ كثيرًا من هكذا أفراد، والذين لا أعلم، هل لديهم اطّلاع على هذه المسائل، ومع ذلك يُنكرون، أم أنّهم غير مطّلعين عليها حقيقةً؛ لكنّني أستبعد ذلك كثيرًا؛ أي أنّه ليس بمقدورنا احتمال أن يكون تفكيرهم بهذا النحو! فهل هؤلاء غير مطّلعين حقًّا على الأخبار والنصوص الواردة في هذا المجال؟ هذا مستبعد جدًّا! وفي هذه الحالة، فإنّنا نجدهم يلجؤون إلى بعض التفسيرات العجيبة والغريبة التي سأشير إلى بعضها في الجلسات القادمة، لكنّنا سأكتفي الآن بالحديث عن هذا النوع منها، حيث قال بعضهم في تفسيره لآية ﴿الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ﴾: إنّ طاعة المرأة للرجل تتكّيء على أمرين: الأوّل مسألة التفضيل، والذي يُراد به حتمًا التفضيل العقليّ؛ لكنّهم رفضوه أيضًا، وادّعوا أنّ التفضيل هنا ناظر إلى كون قوّة الرجل وقدرته أكبر، وتحمّله لمشاقّ خارج البيت أكثر؛ ولهذا، فإنّ الله تعالى جعل نفقة المرأة على عاتقه .. ﴿وَبِما أَنْفَقُوا﴾؛ أي لأنّهم يُنفقون. حسن جدًّا! حينئذ، إذا عثرنا على امرأة تفوق زوجها قوّة، حيث قد يتّفق أن يكون الرجل أضعف من المرأة من حيث القوّة الظاهريّة؛ ففي هذه الحالة، لن يكون هناك تفضيل من هذه الناحية. ومن جهة الإنفاق أيضًا، فإنّ المرأة قد تخرج للعمل، أو تكون لديها أموال شخصيّة، ولا يكون الرجل متمكّن ماليًّا، أو يكون مريضًا، وغير قادر على العمل، فتتحمّل المرأة نفقته؛ ففي هذه الحالة، ينبغي أن تكون تلك الطاعة المترتّبة على الإنفاق والتفضيل بالعكس! أي أنّه على الرجل هذه المرّة أن يستأذن من الزوجة إذا أراد الخروج، لأنّها هي التي تُنفق! وهكذا في بقيّة الأمور التي أنتم على علم بها أكثر منّي!! وكذلك بالنسبة لمسألة الإتيان بالضيوف، والحدود التي وضعها الشرع لأجل مراعاة حقوق الزوجيّة، وحقّ كلّ من المرأة والرجل، حيث ينبغي أن تُصبح كلّها بالعكس.. وهذا كلّه طبقًا للفتوى والتبرير والتفسير الذي قدّمه [ذلك الرجل]! وبحقّ، فإنّ هذا أمر يبعث على الضحك؛ أي أنّه لا يحتاج إلى توضيح؛ لأنّه عبارة عن قلبٍ لحقيقة وردت في الإسلام. فلو أنّ طاعة المرأة للرجل بالنحو الذي سنتحدّث عنه لاحقًا ـ مع كلّ التأكيدات التي بُيّنت بها ـ لم تكن لها أيّة واقعيّة، لماذا لا نجد في كلام الأئمّة عليهم السلام طيلة مائتين وخمسين سنة، ولو موضعًا واحدًا يقولون فيه: «إذا تحمّلت المرأة نفقة زوجها، فإنّ تلك الحقوق التي كان على عاتقها ستصير على عاتق الرجل! ومنذ ذلك الحين، عليه أن يستأذن منها لكي يأتي بالضيوف، ويخرج من المنزل، وعليه الحصول على إجازتها في كافّة الأمور»! إنّ هذه المسألة تبعث على السخريّة، ولا تعدو كونها خروجًا عن الحقائق، وتغييرًا للدين.. هل التفتّم؟
- سورة النساء، الآية ٥٩.
- معرفة الإمام، ج ٩، ص ۱۱٥.
- سورة النساء، الآية ٣٤.
