
أسلوب التعامل مع الحقائق الدينيّة وبيانها
ما هو دور الدين في حياة الإنسان؟ ما هي حكمة تشريع العبادات الواجبة والمستحبّة؟ هل الإنسان مكلّف بإجبار الناس على الهداية؟ أ يكون العجز عن فهم النصوص الدينيّة مسوّغًا لإسقاطها من الدين؟ من هم المؤّهلون لمعرفة الحقائق الدينيّة؟ هل يجوز إخفاء الحقيقة إرضاءً لطائفة معيّنة؟ ما هو الأساس الذي تعتمد عليه مسألة الطاعة؟ هي تساؤلات سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها كمقدّمة للبحث عن مسألة طاعة الزوجة لزوجها؛ علاوةً على استعراضه لمجموعة من القضايا الأخرى في الضمن.
أسلوب التعامل مع الحقائق الدينيّة وبيانها
6الهداية من الله تعالى والإنسان مكلّف بالبلاغ فقط
ولدينا آية كريمة تتحدّث عن الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم، وتقول: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾؛۱ أي قد تلوم نفسك وتشعر بضيق في صدرك ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ﴾؛ وقد تتخلّى عن ذلك، ولا ترغب في الحديث عنه، ويصعب عليك بيان الأحكام الإلهيّة للناس؛ وحينما تريد أن تُبيّن لهم حكمًا، ولا يُعجبهم ذلك، فإنّك تشعر بضيق في صدرك؛ فترغب في أن تُحدّثهم عن المسائل التي تُعجبهم ولا تصعب عليهم؛ وذلك حينما يقولون إنّ هذا الرسول لا يمتلك مالاً، ولا يستطيع تأمين قوت يومه، فلماذا لا يأتي معه كنز من السماء؟ ولماذا لا ينتمي إلى علية القوم والأعيان والأشراف؟ ولماذا لا يأتي معه ملك نراه، فنشاهد تلك القوى الإلهيّة القهّارة المصاحبة لمسألة التكليف والأوامر والنواهي؟ وهذا الكلام الذي يتفوّهون به هو عين الكلام الذي يقوله البعض الآن، من دون أيّ اختلاف، حيث نجد أنّ كلامهم واحد: لماذا الأمر بهذا النحو؟ ولماذا بذلك النحو؟ ﴿إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ﴾: يا رسولنا، ما عليك إلاّ أن تُعلم الناس، وتُحذّرهم من عواقب أعمالهم، ولا يوجد لديك أيّ تكليف آخر؛ ﴿وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ والله هو الموكّل بالأمور، فما دخلك أنت بذلك؟ فالهداية من الله، وإن شاء تعالى، فإنّه سيأخذ بأيدي الناس؛ وما عليك إلاّ أن تبيّن المسائل، وتعرض الأحكام الإلهيّة، فإذا لم يُعجب ذلك البعض، فهم وشأنهم؛ إذ هناك من لو تنصحه لمدّة مائة سنة، لما قبل منك؛ فلماذا ـ والحال هذه ـ تُضيّع وقتك لأجل الناس؟ اهتمّ فقط بالذين يقبلون الكلام. علينا ألاّ نسعى لتقليب المسائل، وتدويرها، وتبريرها، بنحوٍ ينال إعجاب فئة من الناس؛ فهل من اللائق أن يحرم الإنسان من الحقيقة طائفةً من ذوي الاستعداد والقابليّة لأجل نيل ترحيب وإعجاب في غير محلّه؟ وهل يصحّ أن نكتم الحقيقة، ولا نوصلها إلى أسماع ذوي الاستعداد والقابليّة الذين يسعون إلى إدراك الواقع وفهم الحقيقة؛ خوفًا من ألاّ يحظى ذلك بإعجاب فئة من الناس؟ فلا أعجبهم ذلك! أو خشيةً من أن يسوء طائفة من الناس؟ فليسؤهم ذلك! أ فهل أنا موكّل بدين الناس؟! أ وهل أنا وأمثالي وكلاء على دين الناس ومذهبهم؟! إنّ المهمّة الملقاة على عاتقنا تتمثّل في: أوّلاً، أن نقترب كما يجب وينبغي من منهج الإمام عليه السلام ومبادئه ومدرسته، لكن بقدر المستطاع والسعة الوجوديّة؛ ثانيًا، أن نبيّن ما تعلّمناه للناس من دون أيّة اعتبارات؛ ونحن مطالبون بهذين الأمرين فقط؛ وأمّا مسألة أن يُعجب ذلك الناس، أو لا يُعجبهم، فلا تدخل في دائرة تكليفنا؛ فمخاطبة الناس بصدق وصراحة، وبيان الحقائق لهم من دون ستار، وعرضها عليهم من دون غلاف وبنحو شفّاف ليس خروجًا عن الدين، بل أصل من أصوله؛ أجل، أن يلجأ الإنسان إلى شتم الناس، وتعييرهم، والتضييق عليهم، وفرض دين مزيّف واعتباريّ عليهم، ويدعوهم إلى نفسه، ويجعل ذاته هي المحور، ويرى الناس مفتقرين إلى العقل والفهم اللذين أنعم الله تعالى بهما عليهم، ولا يحسب لهم أيّ حساب، ويرى نفسه قيّمًا ووليًّا عليهم.. هذا هو الخروج عن الدين!
- سورة هود، الآية ۱٢.
