
أسلوب التعامل مع الحقائق الدينيّة وبيانها
ما هو دور الدين في حياة الإنسان؟ ما هي حكمة تشريع العبادات الواجبة والمستحبّة؟ هل الإنسان مكلّف بإجبار الناس على الهداية؟ أ يكون العجز عن فهم النصوص الدينيّة مسوّغًا لإسقاطها من الدين؟ من هم المؤّهلون لمعرفة الحقائق الدينيّة؟ هل يجوز إخفاء الحقيقة إرضاءً لطائفة معيّنة؟ ما هو الأساس الذي تعتمد عليه مسألة الطاعة؟ هي تساؤلات سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها كمقدّمة للبحث عن مسألة طاعة الزوجة لزوجها؛ علاوةً على استعراضه لمجموعة من القضايا الأخرى في الضمن.
أسلوب التعامل مع الحقائق الدينيّة وبيانها
22لقد سعى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى عقد مؤاخاة بين المؤمنين؛ فآخى بينه وبين أمير المؤمنين عليه السلام بحسب السنخيّة التي كانت بينهما؛ وبمقتضى هذه السنخيّة، آخى بين عمر وأبي بكر، وقال إنّ هؤلاء لا ينسجمان إلاّ مع بعضهما؛ كما آخى صلّى الله عليه وآله وسلّم بين سلمان وأبي ذرّ، غير أنّ مقام سلمان كان أعلى، ومرتبة أبي ذرّ أدنى، وقال: يا أبا ذرّ لقد آخيت بينك وبين سلمان، ولكِن يلزَمُكَ أن تُطِيعَهُ في كُلِّ مَقَال وَفِي كُلِّ شَيء؛۱ فعليك أن تُطيعه في كلّ ما يقول؛ وهنا تكمن المسألة الدقيقة! أي أنّ مسألة الأخوّة محفوظة في مكانها، وكذلك الشأن بالنسبة للأحكام المترتّبة عليها، وبقيّة الشؤون والنتائج؛ كما أنّ حقوق الأخوّة محفوظة في مكانها؛ وأمّا بالنسبة للطاعة، فليست مسألة تقبل الهزل، وليست مسألة اعتباريّة، بل عليها أن تتّكيء على أساس الفطرة؛ وهنا، ما الذي تقوله الفطرة؟ تقول: إنّ سلمان أعلى، وعليك أن تُطيعه؛ والملفت للانتباه أنّ الرسول صلّى الله عليه وآله سلّم يأمره بطاعته في كلّ شيء، مع أنّ بينهما عقد مؤاخاة!
وحينئذ، لو قام رسول الله بعكس الأمر، فقال لسلمان: عليك أن تُطيع أبا ذرّ، فإنّنا نقول: أوّلاً، هل يُمكن للنبيّ الأكرم أن يتفوّه بمثل هذا الكلام؟ لا يُمكنه أبدًا! وثانيًا، لو فرضنا أنّه قاله، لتوجّب التشكيك في كلامه هذا؛ لماذا؟ لأنّ عقل أبي ذرّ أدون، والمراحل التوحيديّة التي قطعها أدنى بكثير من التي طواها سلمان؛ لأنّ سلمان أدرك حقيقة التوحيد، ووصل إلى حقيقة المصلحة الكلّية، ومرتبة العقل الكلّي، وحصل له اطّلاع على شؤون الماضي والمستقبل، وعلم بالمصلحة والمفسدة الواقعيّتين؛ وفي هذه الحالة، كيف يُمكن للرسول أن يجعل أبا ذرّ [هو المطاع والمتّبع]؛ في حين أنّ بصيرته كان مفتوحة إلى حدّ معيّن، وبلغ مستوى محدودًا من المعرفة؛ هذا، مع أنّه كان من أولئك الممتازين جدًّا! فلا تظنّوا بأنّنا ننتقص منه هنا لا سمح الله تعالى؛ لأنّه كان رجلاً صادقًا جدًّا، وعلى درجة كبيرة من الإيمان، وكان صريحًا جدًّا، ولم توجد في نفسه أيّة نية سوء، وكان من ضمن الأفراد الثلاثة الذين لم يشكّوا أبدًا في خلافة أمير المؤمنين بعد حادثة السقيفة؛ لكن، مع ذلك، فإنّ مسألة الطاعة لا تقبل الهزل؛ لماذا؟ لأنّ الطاعة لا تتعلّق فقط بالأكل والشرب؛ إذ في الموارد التي ينهزم فيها حتّى عقل العقلاء، علينا أن نلتجيء إلى الفطرة، واستمداد العون منها، واللجوء إلى اتّباع الأعلم؛ ولهذا السبب، قال الرسول لأبي ذرّ: عليك بطاعة سلمان؛ لكن، ليس في شرائك للخبز، واقتنائك لبعض الأشياء، ولا في الصلاة والصيام، و...؛ لا! بل في الإشكالات التي تحصل لك، والشبهات التي تطرأ عليك، وفي المواضع التي يحضر فيها الشيطان لمحاربتك ومحاربة دينك بكافّة قواه، ولا تجد أيّ مفرّ ولا مهرب منه؛ ففي تلك اللحظة، اذهب عند سلمان، واستعن به؛ فهو مطّلع على الأمور، وينظر إليها من الأعلى، ويُطلّ على تلك النقاط التي لا تراها أنت؛ ولهذا، فإنّه سيُخبرك بما عليك فعلُه؛ وهذه هي المسألة المهمّة.
- الكافي، ج ۸، ص ۱٦٢: عن صالمٍ الأحول قال: سمعتُ أبا عبدالله عليه السلام يقول: «آخى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم بين سلمانَ وأبي ذرّ واشترط على أبي ذرّ أن لا يَعصِيَ سلمانَ».
