
أسلوب التعامل مع الحقائق الدينيّة وبيانها
ما هو دور الدين في حياة الإنسان؟ ما هي حكمة تشريع العبادات الواجبة والمستحبّة؟ هل الإنسان مكلّف بإجبار الناس على الهداية؟ أ يكون العجز عن فهم النصوص الدينيّة مسوّغًا لإسقاطها من الدين؟ من هم المؤّهلون لمعرفة الحقائق الدينيّة؟ هل يجوز إخفاء الحقيقة إرضاءً لطائفة معيّنة؟ ما هو الأساس الذي تعتمد عليه مسألة الطاعة؟ هي تساؤلات سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها كمقدّمة للبحث عن مسألة طاعة الزوجة لزوجها؛ علاوةً على استعراضه لمجموعة من القضايا الأخرى في الضمن.
أسلوب التعامل مع الحقائق الدينيّة وبيانها
2أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمّد وعلى آل بيته الطّاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
بحثُنا في حديث «عنوان البصريّ» الشريف يدور حول طاعة الزوجة لزوجها، وحدود هذه الطاعة، وأصل هذا القانون والحكم وجذوره؛ فباعتبار تصريح الآية الشريفة ﴿الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وبِما أَنْفَقُوا ...﴾۱ بقيمومة الرجال وقوّاميتهم على النساء على أساس التفضيل والفضل الذي عيّنه الله تعالى، يتوجّب علينا أن نبحث عن هذا التفضيل، ونرى ما هي موارده، وما هي القاعدة التي يتّكيء عليها، وهل يوجب أدونيّة المرأة وتنزّل مقامها عن الرجل، أم لا.
ففيما يخصّ البحث السابق، طرحنا مجموعة من المسائل التي كان لها طابع تمهيديّ؛ ومع أنّني صرّحت بذلك في الجلسة السابقة، إلاّ أنّ كلامي هناك تسبّب في إثارة التساؤلات، وطرح الآراء، وإبراز الأذواق الخاصّة، بحيث كان واضحًا من هي الفئة التي صدرت منها هذه التساؤلات، وفي ضمن أيّة حدود؛ ولا يخفى أنّه بالنظر إلى المسائل التي سنبحثها لاحقًا، فإنّنا نرجو إن شاء الله تعالى أن تُعالج هذه الإشكالات، وتنحلّ تلك الأسئلة، ولا تبقى بحول الله تعالى وقوّته أيّة ذرّة من الاستياء والانزعاج جاثمةً على وجوه الأخوة المؤمنين والأخوات المؤمنات، ولا يحملوا ـ لا سمح الله تعالى ـ هذه المسائل على تفضيل وترجيح فئة على أخرى.
الدين واقع في طريق كمال الإنسان
وأمّا المسألة التي أشرنا إليها في الجلسة السابقة، ونرى من المناسب أن نتحدّث عنها هنا قليلاً قبل الدخول في صلب الموضوع، فهي: لأيّ شيء نُريد الدين في هذه الدنيا؟ وما هو هدفنا من المجيء إلى هذا العالم، والقيام بهذه التكاليف، والخوض في الأمور الدينيّة؟ أَ وَليس لأنّ الدنيا مقدّمة للكمال الروحيّ، والولوج إلى عالم القيامة، والاسفادة من النعم الإلهيّة الأبديّة واللامتناهية في ذلك العالم؟ وذلك لأنّه عالم لا نهاية له، بينما مدّة هذه الدنيا محدودة ببقاء روح الإنسان في جسده؛ وحتّى لو عاش هذا الإنسان عمر الخضر عليه السلام، فإنّ حياته ستنتهي يومًا ما؛ والمثير للالتفات أنّه حين انقضاء العمر، فإنّ الإنسان لا يشعر هل عاش ألف سنة أو سنة واحدة؛ أي أنّ إحساس الذي عاش في هذه الدنيا سنة أو سنتين هو عين إحساس الذي عمّر ألفين أو ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف أو عشرة آلاف سنة؛ لأنّ ملفّات الجميع ستُغلق في الأخير، لتبدأ للتوّ بعدئذ الحياة الأبديّة في ذلك العالم؛ فنخلع هذا اللباس، ويُدفن الجسد تحت التراب، ويتحلّل، ويفنى، أو يُحرق كما هو معمول به في عادات وتقاليد بعض الشعوب، ويُذرى رماده في البحر، ولا يبقى منه أيّ أثر، بحيث لن نعثر منه على ذرّة واحدة، مهما بحثنا عنها في هذا العالم؛ إذ حينما يحترق الجسد، ويتبخّر في الهواء، فلن تعود هناك أيّة فائدة؛ فالحياة الأبديّة تبدأ في ذلك العالم؛ وأمّا هذا العالم والمجيء إلى هذه الدنيا، فهو مقدّمة لتحصيل كمالات في ذلك العالم تُرافقنا في حياتنا الأبديّة؛ ولهذا، علينا ألاّ نتعلّق كثيرًا بهذه الدنيا، ولا نفرح بهذه الأوضاع التي نعيشها هنا، ونولي اهتمامنا بالآخرة.
- سورة النساء، الآية ٣٤.
