
أسلوب التعامل مع الحقائق الدينيّة وبيانها
ما هو دور الدين في حياة الإنسان؟ ما هي حكمة تشريع العبادات الواجبة والمستحبّة؟ هل الإنسان مكلّف بإجبار الناس على الهداية؟ أ يكون العجز عن فهم النصوص الدينيّة مسوّغًا لإسقاطها من الدين؟ من هم المؤّهلون لمعرفة الحقائق الدينيّة؟ هل يجوز إخفاء الحقيقة إرضاءً لطائفة معيّنة؟ ما هو الأساس الذي تعتمد عليه مسألة الطاعة؟ هي تساؤلات سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها كمقدّمة للبحث عن مسألة طاعة الزوجة لزوجها؛ علاوةً على استعراضه لمجموعة من القضايا الأخرى في الضمن.
أسلوب التعامل مع الحقائق الدينيّة وبيانها
16إخفاء الحقيقة إرضاءً لطائفة معيّنة ظلمٌ لطالبيها
فنحن لدينا أربعة عشر معصومًا وحسب؛ وهم الذين سُكّت العملة بأسمائهم؛ وأمّا بقيّة الناس فخطّاؤون؛ فلا ينبغي علينا أن نحرم الأناس المستعدّين من الوصول إلى الحقيقة، لأجل حفنة من الأفراد داسوا بأرجلهم على الحقائق مراعاةً لمصالحهم الدنيويّة؛ فهذا ظلم كبير؛ وبحقّ، إنّه لمن الجور أن نقوم بهذا العمل!
أذكر أنّ المرحوم العلاّمة أشار في الجزء الخامس عشر من معرفة الإمام۱ إلى أنّ المرحوم الشيخ عبّاس القمّي صاحب المفاتيح التقى في أحد أسفاره للخارج بأحد العلماء، ويبدو أنّه المرحوم السيّد شرف الدين العامليّ، والذي تعرّض لذكر بعض الظلم والجور والاضطهاد الذي لحق بالأئمّة عليهم السلام بواسطة عدد من أقربائهم؛ نظير بني الحسن، حيث إنّهم هم الذين قتلوا الإمام الباقر عليه السلام؛ أي أنّ ابن عمّ الإمام الباقر هو الذي قتله؛ وهكذا أيضًا بالنسبة للمسائل التي حصلت للإمام الصادق عليه السلام بواسطة محمد وإبراهيم ابني عبد الله المحض؛ واللذين ادّعيا المهدويّة، وظهور المهدي، وأجبرا الإمام الصادق على الطاعة والبيعة؛ فلم يقبل عليه السلام؛ ممّا دفعهم لسجنه ليلة كاملة؛ ومن كان هؤلاء؟ أبناء عمومته عليه السلام هم الذين حبسوه ليلة واحدة في أسوء الأمكنة التي لا أستطيع ذكر اسمها، وهدّدوه بقطع رقبته إذا لم يُبايع للغد؛ فلو لم يكن المنصور الدوانيقيّ قد أتى، وواجههم، وردّهم، وأمسك بهم، لقتلوا الإمام الصادق في اليوم التالي؛ فكان المنصور الدوانيقيّ هو من جاء، وأخرج الإمام من السجن؛ وهكذا الشأن بالنسبة لبقيّة المسائل التي حصلت على يد بني الحسن وغيرهم.
فقال الشيخ عبّاس القمّي للسيّد شرف الدين: لماذا أتيت على ذكر هذه المسائل في كتبك؟ فهي أمور حدثت في التاريخ، وستُؤدّي إلى إساءة ظنّ الناس بالأئمّة.. يا للعجب! سيسيؤون الظنّ بهم؟ فهل علينا أن نترك الناس يتخبّطون في الجهل، لكيلا يُسيؤوا الظنّ بالأئمّة؟! علينا أن نقول للناس إنّ طريق الله تعالى لا يخضع للمحسوبيّة والعلاقات، بل يخضع للقواعد والضوابط. لقد جاء ابن الإمام عليه السلام بنفسه، وتمرّد على أبيه؛ فعلينا أن نُطلع الناس على العقائد الحقّة والصحيحة، لا أن نأتيهم بدين منحوت ومنمّق، شأنه في ذلك شأن المرأة التي ستُخطب، فيعملون على إخفاء عيوبها ومثالبها ببعض الأمور، حتّى لا يكتشفها الذي يُريد أن يراها؛ فلو لم تكتشفها اليوم، فماذا ستفعل غدًا حينما تتزوّج بها، وتلتفت إليها؟ سيقع بينكما خلاف؛ ولهذا، بيّن ذلك منذ البداية، وأفصح عنه من الأوّل. فحينما يتقدّم العريس لخطبة امرأة، إذا كان يُعاني من مرض يُثير الإشكال، عليه أن يذكره منذ البداية لهذه المرأة وعائلتها، ويقول: إنّني أعاني من المرض الكذائيّ، وأتوفّر على الخصائص الكذائيّة؛ وإذا كانت المرأة مُصابة ببعض الأمراض، فعليها أن تقول ذلك للعريس وعائلته، لكي يُقدم عن بصيرة؛ فإن قبِل، فعلى بركة الله؛ وأمّا أن يكون الإنسان مصابًا بمرض ما، فيجري التكتّم عليه، ويُقال: «لا ضير في ذلك، فليتزوّجوا الآن، وسيصحّوا بعد ذلك»، فإنّ ألف مشكلة ستحصل فيما بعد؛ فلنمنع حدوث ذلك منذ البداية!
- ص ٢٥٥.
