
أسلوب التعامل مع الحقائق الدينيّة وبيانها
ما هو دور الدين في حياة الإنسان؟ ما هي حكمة تشريع العبادات الواجبة والمستحبّة؟ هل الإنسان مكلّف بإجبار الناس على الهداية؟ أ يكون العجز عن فهم النصوص الدينيّة مسوّغًا لإسقاطها من الدين؟ من هم المؤّهلون لمعرفة الحقائق الدينيّة؟ هل يجوز إخفاء الحقيقة إرضاءً لطائفة معيّنة؟ ما هو الأساس الذي تعتمد عليه مسألة الطاعة؟ هي تساؤلات سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها كمقدّمة للبحث عن مسألة طاعة الزوجة لزوجها؛ علاوةً على استعراضه لمجموعة من القضايا الأخرى في الضمن.
أسلوب التعامل مع الحقائق الدينيّة وبيانها
15وأنا بنفسي كنت أحمل فكرة خاصّة عن المرحوم جدّي، تعتمد على الكلمات التي كان يذكرها لي البعض من الأقارب والأرحام في فترة الطفولة؛ فكنت أنظر إليه كشخصيّة ذات أفق خاصّ؛ لكن، حينما كبرت شيئًا فشيئًا، واجهتني بعض العبارات [الواردة بشأنه]، والتي لا أريد منها اغتيابه أو ذمّه أو الحطّ منه لا سمح الله تعالى، بل الأمر يتعلّق بتحديد المكانة والمرتبة التي يحتلّها كلّ شخص؛ فلا يوجد أحد بلغ مقام الإمامة، ولا النبوّة، ونحن بأجمعنا بشر، وخطّاؤون، ولكلّ واحد منّا مستوى خاصّ من الاعتقادات والاهتمام بالمسائل والمباديء. لقد كان المرحوم جدّنا ـ كما أشار إلى ذلك المرحوم العلاّمة ـ رجلاً متديّنًا جدًّا، وله حميّة دينيّة كبيرة جدًّا، حيث يُحكى عن رضا شاه أنّه قال: «إنّني لا أخشى إلاّ رجلين اثنين: الأوّل السيّد البروجرديّ في بروجرد ـ حينما كان المرحوم السيّد البروجرديّ يقطن هناك ـ، والثاني السيّد محمد صادق اللاله زاريّ الذي يسكن في منطقة شاه آباد بطهران؛ فأنا خائف ومتوجّس من هذين الإثنين فقط»؛ أي أنّه كان على هذه الدرجة من الغيرة، بحيث إنّ جميع علماء طهران، وكافّة الناس، وزعماء البلد كانوا يعترفون بحميّته الدينيّة، وثباته على مبادئه ومعتقداته؛ وحينما وصلته رسالة من وزير العدل "داور" بخصوص مسألة خلع الحجاب، والتي لا أعلم هل طالعها الرفقاء في كتاب وظيفة الفرد المسلم أم لا، فإنّه قام فورًا من مكانه، وبدأ يكيل الشتائم لوزير العدل ورضا شاه وأعوانهما، إلى درجة أنّ المرحوم العلاّمة قال: لم أكن أعلم بتاتًا من أين تعلّم والدنا كلّ هذه الشتائم!! فهي لم تكن شتائم يقولها كلّ واحد!! فقد كان هذا هو شأنه، وكان يقول: «اعتبروا أنّكم جئتم الآن، وقطعتم رأسي، وأعدمتموني».
لكن، حينما يتعلّق الأمر بالتقصّي عن المسائل، فإنّ كونه يتوفّر على ذلك المقام وتلك المنزلة لا يفرض علينا أن نقول عنه إنّه نبيّ، أو عارف بالله تعالى.. لا! فهو لم يكن من العرفاء، ولم يقطع كلّ مراتب التوحيد؛ غير أنّه كان رجلاً ذا حميّة، ومجتهدًا قطعًا، ويشهد له الجميع بالفضل والعلم. لقد حضرت أحد المجالس، فرأيت أحدهم يتحدّث عنه، وينقل عنه بعض الحكايات والقصص؛ فصعُب عليّ القبول ببعضها قليلاً؛ إذ حينما سمعت هذه المسائل، كنت صغيرًا؛ لكن، حينما يكبر الإنسان ويرشد، فإنّ أفكاره تتغيّر وتتبدّل؛ فقال أحد الحاضرين في ذلك المجلس: «أيّها السيّد، إنّ هذه المسائل تحطّ من شأنه!»؛ فقلت: «لا، دعه يكمل الحديث، حتّى يحصل لديّ اطّلاع على الناس، ممّا سيُفيدني، ويُساهم في نُضجي»؛ فقعدت أتحدّث معه لجلسة واحدة، ثمّ ثلاث جلسات، ثمّ تكلمّت معه حول بعض المسائل، فتوصّلت إلى أنّ بعض الأمور التي ذكرها كانت من نسج خياله، بينما كانت بعض الأمور الأخرى صحيحة، وساهمت في تصحيح آرائي السابقة؛ وهكذا ينبغي أن يكون عليه الأمر بالنسبة للجميع! فهل لأنّه جدّي عليّ ألاّ أسمح لأيّ أحد بانتقاده؟ فليفعلوا ذلك.
