
اتّحاد الرجل والمرأة في النشأة والهدف
في هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإكمال بحثه عن العلاقة بين المرأة والرجل، تحدّث سماحتُه بدايةً عن السرّ الدقيق لمجيء بعض الآيات القرآنيّة بلسان مذكّر، واستعرض مجموعة من الآيات التي خاطبت الرجال والنساء معًا، ثمّ بيّن الدور الأساسّي الذي يلعبه الإيمان في العلاقة القائمة بين المرأة والرجل، مبرزًا أهمّية اطّلاع كلّ واحد منهما على التكليف المناط به؛ وبعد ذلك، تحدّث سماحته عن الحياة الطيّبة في ظلّ الإيمان، وإمكانيّة بلوغ الرجل والمرأة هذه الحياة، ثمّ خاض في البحث عن المقامات العالية التي نشأت منها الروح الإنسانيّة، وعن تنزّه هذه الروح عن الذكورة والأنوثة في تلك المقامات.
اتّحاد الرجل والمرأة في النشأة والهدف
9فالمرأة والرجل بينهما معيّة، لكنّك تجد كلّ واحد منهما يقول: «لا، عليك أن تهتمّ بأمورك في ضمن دائرتك الخاصّة، وعليّ أنا أيضًا أن أهتمّ بشؤوني في نطاقي الشخصيّ»! وبهذا، صارت الأمور جيّدة جدًّا!!!
ترسم نرسى به كعبهاى اعرابى *** اين ره كه تو مىروى به تركستان است [يقول: أخشى ألاّ تصل إلى الكعبة أيّها الأعرابيّ، فالطريق الذي تسلكه يؤدّي إلى بلاد الترك]
الحياة الطيّبة في ظلّ الإيمان والقيم الإنسانيّة
فبحثنا سيبدأ من هذه النقطة، حيث يقول الله تعالى في الآية الكريمة: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ...﴾۱؛ سنحييه، ونُخرجه من موت الجهل والغرور، ومن عالم الجهل والحيوانيّة؛ فهذا هو الذي يعنيه الإحياء، وليس هو أن نمشي ونعيش هكذا؛ وعلى حدّ قول أمير المؤمنين: «يا أشبَاهَ الرِّجَالِ ولَا رِجَال»٢؛ أي: يا أيّها الذين أطلقوا على أنفسهم اسم الرجال، لكنّهم ليسوا كذلك؛ أ فهل هذه هي رجولتكم؟! مع ملاحظة كلّ تلك المصائب التي أحللتموها على رأس أمير المؤمنين؛ أو كما ورد في الآية الشريفة: ﴿... وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾٣؛ فهذه الحياة الظاهريّة عبارة عن مجموعة من الحركات، وقد يأتون بشيء آخر يقوم بهذا الحركات بدلاً عنّا؛ كالإنسان الآليّ مثلاً؛ أ ولم يتمكّنوا في هذا العصر من صناعته؟! فيصنعون إنسانًا آليًّا، ويدخل إلى هذه الغرفة، وينظر إلى هذه الجهة، وإلى تلك الجهة، ثمّ يجلس في أيّ مكان يجده فارغًا؛ فإذا نظرتم إليه، هل تستطيعون معرفة هل هو إنسان أم لا؟ لن نستطيع معرفة ذلك إن صنعوه على هيئة إنسان؛ فيدخل من الباب، وينظر، ويُرسل بعض الذبذبات، فيكتشف موضع المكان الخالي، فيذهب مباشرة إليه، ويجلس فيه بدقّة تفوق دقّتنا، من دون أن يخطيء في الجلوس يمينًا أو يسارًا، فيجلس في المكان الفارغ، وتكون صورته مثل صورة إنسان؛ لكن هل هو حيّ؟ لا، إنّه ليس بحيّ؛ فإذا كانت حركتنا في هذه الدنيا خاضعة للجهل الحيوانيّ والجهل بالقيم الإنسانيّة، فإنّنا سنُشبه بالضبط ذلك الإنسان الآليّ الذي يعمل طبقًا للبرنامج الذي وضعوه له، وسنكون بنفس ذلك النحو؛ فماذا تقول الآية الكريمة؟ ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾؛ فالآخرة هي الحيوان والحياة؛ أي: يا أيّها الإنسان الذي يتحرّك هنا من دون التوجّه إلى الآخرة، لقد صرت مثل ذلك الإنسان الآليّ بعينه، من دون أيّ فارق؛ فأنت تفتقر إلى الحياة، وعقلك فارغ وخال من أيّ نوع من أنواع القيم الإنسانيّة؛ ولهذا، فإنّ حركتك تتكّيء على الأنانيّة ومحوريّة الذات والظفر بالمصالح؛ وهكذا، إلى أن تصل إلى مستوى معيّن، وينتهي الأمر؛ وهذا هو ذلك الأمر بعينه: ميّت يتحرّك.
- سورة النحل، الآية ٩۷.
- نهج البلاغة (عبده)، ج ۱، ص ۷۰، الخطبة ٢٦.
- سورة العنكبوت، الآية ٦٤.
