
اتّحاد الرجل والمرأة في النشأة والهدف
في هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإكمال بحثه عن العلاقة بين المرأة والرجل، تحدّث سماحتُه بدايةً عن السرّ الدقيق لمجيء بعض الآيات القرآنيّة بلسان مذكّر، واستعرض مجموعة من الآيات التي خاطبت الرجال والنساء معًا، ثمّ بيّن الدور الأساسّي الذي يلعبه الإيمان في العلاقة القائمة بين المرأة والرجل، مبرزًا أهمّية اطّلاع كلّ واحد منهما على التكليف المناط به؛ وبعد ذلك، تحدّث سماحته عن الحياة الطيّبة في ظلّ الإيمان، وإمكانيّة بلوغ الرجل والمرأة هذه الحياة، ثمّ خاض في البحث عن المقامات العالية التي نشأت منها الروح الإنسانيّة، وعن تنزّه هذه الروح عن الذكورة والأنوثة في تلك المقامات.
اتّحاد الرجل والمرأة في النشأة والهدف
5ابتناء العلاقة بين الرجل والمرأة على أساس الإيمان بالدرجة الأولى
وتوجد في القرآن الكريم آية شريفة تُشير إلى هذا الأمر بشكل أكبر، حيث تقول: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾۱؛ والمراد بذلك الذي يقوم بعمل صالح سواءً كان امرأة أو رجلاً، وسواءً كان رجلاً أو امرأة؛ ويقوم به عن إيمان بالله تعالى، وليس لبهجة حياته الدنيويّة، وتحقيق الأطماع الدنيّة؛ أي أنّ العمل الذي يقوم به الرجل والمرأة ينبغي أن تكون له وجهة واتّجاه وجهة.
فحينما تكون المرأة في طاعة زوجها، عليها أن تعلم أنّ هذه الطاعة لأجل الله تعالى الذي منحها هذه الموهبة والنعمة، وليس لأجل أنّ زوجها يُحبّها؛ وإلاّ، إذا جاء يوم، ولم يُحبّها هذا الزوج، فإنّها لن تُطيعه؛ والظاهر أنّ الأمر بهذا النحو!! وأيضًا، عندما يُظهر الرجل لطفه وعنايته بعائلته وزوجته، فإنّ عليه العلم بأنّ هذه العناية تتكّيء على التكاليف التي وضعها الله تعالى، وليس على الحبّ الذي يتبادله الزوجان، مع أنّه سيأتينا لاحقًا الحديث عن طبيعة الدور الأساسيّ الذي يلعبه هذا الحبّ في الحركة الكماليّة للإثنين، وفي سرعة سيرهما التكامليّ.
وأمّا الدور الأوّل، فيضطلع به الإيمان؛ أي حينما يُبرز الرجل عطفه وعنايته بزوجته، ويسعى لتربيتها، ويُهيّء لها وسائل الراحة والتربية، ولا يدعها لشأنها مُلقيةً حبلَها على غاربها، لكي ترتبط بكلّ أحد، وتُهاتف كلّ مكان، وتتحدّث مع من تشاء، وتُصادق كلّ من يحلو لها، فإنّه عليه أن يعلم بأنّ عمله هذا خاضع للتكليف الإلهيّ، وليس لمسألة الحبّ؛ لأنّ الحبّ يأتي يومًا، ويضعف يومًا آخر؛ فنحن في نهاية المطاف بشر؛ وقد يكون الرجل في أحد الأيّام تعبانًا، لكونه رجع للتوّ من العمل إلى البيت، وقد عجز عن أداء أحد الشيكات وغير ذلك من الأمور التي تحصل كثيرًا في هذه الأيّام؛ كأن يأتي الزبون، ويبدأ في الصراخ في الزقاق، ويتوعّد، ويدخل إلى البيت، ويشرع في التهديد، وأمثال ذلك؛ فالمسألة المهمّة هنا ـ والتفتوا جيّدًا ـ أنّ هذه الحالة هي التي يتعيّن فيها على الزوجين العمل بتكاليفهما، وليس حينما يكون كلّ واحد يضحك مع الآخر؛ لأنّهما حينئذ، لن يكونا قد قاما بشيء ذي بال؛ فعندما تكون مارًّا في الشارع، وتبتسم في وجه أحدهم، فإنّه سيبتسم في وجهك أيضًا، ولن يلجأ إلى صفعك؛ ولهذا، فإنّ المهمّ هو أن يتحمّل الإنسان مسؤوليّته في الأوقات التي تسنح فيها الفرصة للنفس من أجل التمرّد، وتعثر فيها على مجال للانحراف؛ وهذا هو الذي يُؤدّي إلى كسب الثقة؛ وإلاّ، فإنّ الجلوس معًا على مائدة مليئة بالحلويّات ليس بشيء ذي بال، والضحك معًا في أوقات الفرح والسرور لا يحظى بأهمّية بالغة؛ فالأمر المهمّ هو أن يشعر الطرفان بأنّهما مكلّفان بالعمل بالوظائف التي عيّنها الله تعالى لهما؛ وهذا الذي يُقال له الإيمان بالله تعالى؛ وهو الذي ينفع هنا؛ وإلاّ، فلولا الإيمان، لجاء يوم، ووقع بيننا خصام، فيذهب كلّ واحد إلى حال سبيله؛ وحينئذ، ما الذي سيبقى؟ فنتصالح اليوم، ثمّ نتخاصم غدًا، ويذهب كلّ واحد للاهتمام بشؤونه الخاصّة؛ وحينئذ، ما الذي سيبقى؟ إنّه الإيمان بالله تعالى ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ...﴾٢؛ فالذي يقصم ظهر الإنسان، ولا يحصل إلاّ بعد اللتيا والتي هي هذه العبارة: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾؛ إذ في موارد الفرح والسرور والضحك وأمثال ذلك، لا معنى لـ ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾؛ وهذا يعني أنّ العمل الصالح الذي يتحقّق هنا ينبغي أن تكون له وجهة خاصّة، بحيث يضع الإنسان داخل إطار معتدل يُساهم في حفظه في كافّة الأحوال، ويصونه من التغيّر؛ فإذا كانت الأوضاع في يوم ما بكيفيّة خاصّة، فإنّ الإنسان لن ينحرف؛ لماذا؟ لأنّه صار مستعدًّا، ومُنح له برنامج خاصّ، وحصر نفسه في إطار محدّد لا يُمكنه أن يتعدّاه؛ وهذا هو الذي من شأنه أن يهب الحياة للإنسان، ويوصله إلى الهدف المنشود من خلقه وتربيته.
- سورة النساء، الآية ۱٢٤.
- سورة النساء، الآية ۱٢٤.
