
اتّحاد الرجل والمرأة في النشأة والهدف
في هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإكمال بحثه عن العلاقة بين المرأة والرجل، تحدّث سماحتُه بدايةً عن السرّ الدقيق لمجيء بعض الآيات القرآنيّة بلسان مذكّر، واستعرض مجموعة من الآيات التي خاطبت الرجال والنساء معًا، ثمّ بيّن الدور الأساسّي الذي يلعبه الإيمان في العلاقة القائمة بين المرأة والرجل، مبرزًا أهمّية اطّلاع كلّ واحد منهما على التكليف المناط به؛ وبعد ذلك، تحدّث سماحته عن الحياة الطيّبة في ظلّ الإيمان، وإمكانيّة بلوغ الرجل والمرأة هذه الحياة، ثمّ خاض في البحث عن المقامات العالية التي نشأت منها الروح الإنسانيّة، وعن تنزّه هذه الروح عن الذكورة والأنوثة في تلك المقامات.
اتّحاد الرجل والمرأة في النشأة والهدف
2أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمّد
وعلى آله الطّيّبين الطّاهرين واللعنة على أعدائهم أجمعين
كان بحثنا يدور حول طبيعة العلاقات الأسريّة، وأسلوب الحياة الذي يرتضيه الله تعالى ويُوافق عليه الإسلام في مجال العلاقة القائمة بين الرجل والمرأة؛ وخلاصة ما مرّ معنا سابقًا بنحو مقتضب أنّ الرجل، وباعتبار الجهة الفاعليّة التي يتوفّر عليها، فإنّ الله تعالى جعل فيه مجموعة من الخصائص التي تتطابق مع التكليف والواجب اللذين ألقاهما على عاتقه؛ كما أنّ المرأة، وبسبب الجهة الانفعاليّة التي تمتلكها، فإنّ الباري عزّ وجلّ وضع فيها سلسلة من الخصائص والصفات التي تتطابق مع الواجب والمسؤوليّة اللذين ألقاهما نظام الخلق على عاتقها؛ ولو أنّ أحدهما استبدل مكانه بمكان الآخر، لتعرّض النظام التربويّ الأحسن، والنسق التنمويّ للمجتمع والحضارة الإنسانيّين إلى الفساد؛ وعلاوةً على ذلك، سيُواجه كلّ واحد منهما عقبات خطيرة حين سعيه لبلوغ الكمال.
وعليه، فقد وصل بنا المقام إلى الحديث عن أنّ العديد من الأفراد نظروا إلى هذه المسألة من ناحية عالم الكثرة، وبالالتفات إلى الظاهر، فطرحوا مسائل مخالفة لما أكنّه الله تعالى في وجود كلّ من المرأة والرجل، وحتّى أنّ البعض أخرج المرأة من دائرة الإنسانيّة، معتبرًا إيّاها أدنى من الإنسان؛ كما أنّ البعض الآخر خرج عن حدّ الاقتصاد والاعتدال، وبلغ به الإفراط درجة، بحيث ارتأى أنّ مكانة المرأة واستعداداتها أعلى من استعدادات الرجل، واعتبر أنّ عقل المرأة أكمل من عقل الرجل، وإيمانها أقوى من إيمانه، وخصائصها الأخلاقيّة والتكوينيّة أفضل؛ ويبدو أنّ هؤلاء طرحوا هذه الآراء عن علم وعمد وأغراض خاصّة؛ إذ لا يُمكن لأيّ أحد بحث هذه المسألة بهذه الطريقة انطلاقًا من ذهنيّة صافية، ومن دون دغل، ومن غير أن تكون له أهداف خاصّة؛ ولا شكّ في ذلك أبدًا.
ومن هنا، علينا أن نبحث عن رؤية الإسلام للبنية الوجوديّة لكلّ من المرأة والرجل، وعن غاية عالم التكوين والخلق من خلقهما، وهل خُلقا في طريق تحصيلهما للكمال على قدم المساواة؟ أم أنّ أحدهما ـ كما ارتأى البعض ـ جُعل مقدّمة لكمال الآخر، بحيث يكون طريق الفلاح والصلاح في الأصل مقتصر على المرأة دون الرجل؟ فهل هذا هو الصحيح، أم أنّ المسألة بنحو آخر؟
