
اتّحاد الرجل والمرأة في النشأة والهدف
في هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإكمال بحثه عن العلاقة بين المرأة والرجل، تحدّث سماحتُه بدايةً عن السرّ الدقيق لمجيء بعض الآيات القرآنيّة بلسان مذكّر، واستعرض مجموعة من الآيات التي خاطبت الرجال والنساء معًا، ثمّ بيّن الدور الأساسّي الذي يلعبه الإيمان في العلاقة القائمة بين المرأة والرجل، مبرزًا أهمّية اطّلاع كلّ واحد منهما على التكليف المناط به؛ وبعد ذلك، تحدّث سماحته عن الحياة الطيّبة في ظلّ الإيمان، وإمكانيّة بلوغ الرجل والمرأة هذه الحياة، ثمّ خاض في البحث عن المقامات العالية التي نشأت منها الروح الإنسانيّة، وعن تنزّه هذه الروح عن الذكورة والأنوثة في تلك المقامات.
اتّحاد الرجل والمرأة في النشأة والهدف
18عدم اختلاف المرأة والرجل من حيث المراتب والكمالات
ومن هنا، فإنّنا نستنتج عدم وجود أيّ اختلاف بين المرأة والرجل من حيث الدرجات والمراتب والكمال؛ إذ لا وجود للذكورة والأنوثة من الأساس، بل إنّهما مرتبطان بالدنيا فقط؛ ونحن لم نُخلق لأجل هذه الدنيا؛ لأنّها عابرة، نقضي فيها ثلاثين أو أربعين أو خمسين أو ستّين سنة، ثمّ يلزمنا الرحيل، حيث إنّ العيش أكثر من ستّين سنة في هذا العصر هو أمر خارج عن المألوف! فعلينا خلع هذا البدن، والرحيل؛ لكن، إلى أين سنرحل؟ إلى موضع سنوجد فيه نحن كما نحن، وليس كما نبدو فيه عند النظر إلى المرآة، لأنّ شكلنا في المرآة هو في الحقيقة شكل بدننا، في حين أنّنا لا نمتلك أيّ شكل. وفي يوم القيامة، فإنّ هذا الشكل سيوجد بعينه لكن ببدن مثاليّ؛ فالشكل سيوجد بعينه، لكن، ما الذي سيحصل للبدن؟ سيصير بدنًا مثاليًّا شبيهًا بالبدن المادّي؛ فلا أنّه مادّي محض، ولا أنّه مثاليّ كعالم المثال، بل سيكون بين هذين الأمرين؛ ولا يخفى وجود خلاف حول هذه المسألة، وهل أنّ الموجود هناك حقيقةً هو هذا البدن الدنيويّ بنفس مادّته، أم أنّ القيامة ستكون عقليّة، حيث أتبنّى هنا الرأي المتوسّط بين الرأيين، وأقول بالجمع بين المسألتين بسبب الخصائص والآثار التي تتعلّق ببدن الإنسان في عالم القيامة.
وعليه، لماذا جاء الإسلام؟ وما هي الغاية التي يصبو إليها طريق التكامل في الإسلام؟ هي أن يُخرجنا من هذه الصورة، ويُوجّهنا إلى أنفسنا، ويُعيدنا بواسطة الكمال الذي نحصل عليه إلى ذلك الموضع الذي أتينا منه؛ وماذا يوجد هناك؟ لا وجود هناك أبدًا للذكورة والأنوثة.
أظنّ أنّكم أُصبتم بالتعب؛ وأمّا بالنسبة إليّ، فقد تعبت حقًّا! ولو أردت الاستمرار في الحديث عن هذا المسألة، لما تمكّنت من ذلك بحسب ما أعتقد؛ ولهذا، سنكلها للجلسة القادمة إن شاء الله تعالى.
نرجو من العليّ القدير أن يفتح أعيننا، ويُظهر لنا مكانتنا؛ وهي مسألة مهمّة جدًّا؛ لأنّها بمثابة المحرّك للإنسان؛ إذ ما دمنا لم نتعرّف على أنفسنا، فإنّنا لن نتمكّن من الحركة؛ وما دمنا لم نطّلع على حقيقتنا، فإنّنا سنعجز عن المشي في الطريق؛ وما دمنا لم نُدرك قيمتنا، فإنّنا لن نستطيع التقدّم إلى الأمام؛ فالمحرّك السلوكيّ والتربويّ يتمثّل في أن نعرف من نكون، ونشعر بالنوم والغفلة الواقعين فيهما؛ ولقد تمكّن الإمام الرضا عليه السلام من القيام بهذا الفعل؛ فبوسعنا نحن أيضًا القيام به؛ كما أنّ الإمام الحسن استطاع القيام بذلك؛ فيُمكننا نحن أيضًا القيام به؛ ومن هنا، لا ينبغي أن يأتي يوم، وتتركوا الأمور تبقى على ما هي عليه! فلقد شقّ الرسول القمر؛ وبوسعنا نحن أيضًا القيام بذلك؛ وهذا الذي أقوله هو أمر حقيقيّ، ولا مزاح فيه؛ غاية الأمر أنّ له طريق، لا أن نُطرق برؤوسنا إلى الأسفل هكذا، ونقول: لا يهمّنا ما الذي سيحصل! لا أيّها السيّد، بل له طريق، وعلينا سلوك هذا الطريق، والعمل بما قاله العظماء؛ وحينئذ، سيصل الإنسان إلى تلك المسألة وإلى الهدف المنشود.
