
اتّحاد الرجل والمرأة في النشأة والهدف
في هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإكمال بحثه عن العلاقة بين المرأة والرجل، تحدّث سماحتُه بدايةً عن السرّ الدقيق لمجيء بعض الآيات القرآنيّة بلسان مذكّر، واستعرض مجموعة من الآيات التي خاطبت الرجال والنساء معًا، ثمّ بيّن الدور الأساسّي الذي يلعبه الإيمان في العلاقة القائمة بين المرأة والرجل، مبرزًا أهمّية اطّلاع كلّ واحد منهما على التكليف المناط به؛ وبعد ذلك، تحدّث سماحته عن الحياة الطيّبة في ظلّ الإيمان، وإمكانيّة بلوغ الرجل والمرأة هذه الحياة، ثمّ خاض في البحث عن المقامات العالية التي نشأت منها الروح الإنسانيّة، وعن تنزّه هذه الروح عن الذكورة والأنوثة في تلك المقامات.
اتّحاد الرجل والمرأة في النشأة والهدف
17وقال المرحوم العلاّمة: ثمّ إنّي سألته: وماذا تقول عن الحيوانات؟ فأجابني [السيّد الحدّاد]: لقد خلقها الله تعالى لأجل هذه المسألة من الأساس؛ أي أنّ مسألة الشهوة من المسائل الأساسيّة المعجونة بوجود الحيوانات، بحيث نجد الحيوان يسعى بالفطرة إلى هذا التوالد والتناسل، لا أنّه يصطبغ بهذه الصبغة من المحيط الخارجي؛ لأنّ هذه المرتبة مختصّة بالإنسان فقط؛ أي أنّ الإنسان على درجة من العلوّ والرفعة، بحيث لولا المحيط، وتلك المسائل التي يتمّ تلقينه إيّاها، لما اندفع نحو ذلك الاتّجاه أبدًا.
فلو وُضع ولد وبنت في غابة [لوحدهما] منذ الصغر، ولم يكن هناك شيء من التأثيرات الخارجيّة، ولو حتّى وجود حيوانات، لعاشا معًا إلى آخر العمر، من دون أن يلتفتا أبدًا للأمور الشهوانيّة والحسّية والنزوات؛ فهذا ما يقتضيه الوجود الإنسانيّ، خلافًا لما يُطرح اليوم في علم النفس؛ إذ يقولون إنّ الشهوة مكنونة في وجود الإنسان؛ لكنّهم بعيدون جدًّا عن هذه الحقائق. فهذا هو الذي يتعلّق بالخصائص الإنسانيّة، حيث يقتضي المقام الشامخ للإنسان أن يتحرّك في حياته في أفق أعلى يفوق الحيوانيّة؛ أجل، قد تأتي المسائل الخارجيّة، وتُثير انتباهه إلى هذا الأمر [الشهوة]، حيث يلزم تحقّق التوالد والتناسل بهذه الكيفيّة.
ومن هنا، فإنّ الذي يُشكّل حقيقة الرجل والمرأة في نظام الخلق هو أمر خارجٌ عن الذكورة والأنوثة؛ أي أنّ حقيقتنا نحن الرجال الجالسون هنا ـ والمراد ليس ما هو موجود فعلاً، بل المراد تلك الحقيقة العالية الغافلون عنها، وذلك الأمر الذي ينبغي علينا الوصول إليه، وتلك الصيرورة التي يتعيّن علينا التحقّق بها في أنفسنا ـ هي مرتبة أعلى حتّى من الرجولة؛ وبالتالي، فإنّنا وبكلّ وضوح لسنا رجالاً، والمرأة ليست امرأة؛ صحيح، نحن في هذه الدنيا رجال، والمرأة امرأة؛ إذ ينبغي أن يوجد في هذا العالم توالد وتناسل، واستمرار وبقاء للنسل؛ وهكذا أيضًا بالنسبة لعالم المثال؛ أي أنّ هناك وجود فيه للذكورة والأنوثة؛ لأنّ هذا العالم الذي يُمثّل البدن المثاليّ والبرزخيّ هو علّة لعالم المُلك [الدنيا]؛ وبالتالي، ينبغي أن توجد فيه هذه الأمور؛ لكن، حينما نتجاوز مرتبة المثال ـ والتي تُسمّى أيضًا بالبرزخ والملكوت الأسفل ـ، ونصل إلى الملكوت الأعلى، ثمّ نتجاوز هذا الملكوت الأعلى، ونتجّه إلى فوق، فإنّنا لا نجد هناك ذكورة ولا أنوثة؛ ولهذا، فإنّ كمالنا يتعلّق بهذه المرتبة؛ إذ ما هي المرتبة التي نسعى إليها الآن، وأتينا بسببها إلى هنا، ونُطيع الله تعالى في سبيلها، ونؤدّي هذه التكاليف لأجلها؟ هل هي مرتبة الدنيا؟ لا، لأنّها ستنقضي؛ وهل هي مرتبة المثال؟ لا، لأنّها مرتبة دانية، وروحنا أعلى من المثال؛ وأمّا إذا انتقلنا من عالم المثال، إلى عالم الملكوت، فإنّنا لن نجد أيّة صورة، وسيصير كلّ واحد منّا حينئذ إنسانًا عقليًّا؛ أي أنّ المنام الذي ترون فيه أجدادكم، وتُشاهدون فيه مختلف الناس، وتتحدّثون فيه معهم يقع في آخر مرتبة من عوالم الغيب وأدناها؛ بينما يكون أولئك الذين تتحدّث معهم في مرتبة خالية من كلّ شكل؛ أي أنّ حقيقتي أنا لا تتمثّل في هذا الشكل الذي ترونني فيه، وكذلك حقيقتكم أنتم؛ لأنّ حقيقتنا أنا وأنتم لا شكل لها بتاتًا؛ وكمثال على ذلك، أخبروني عن شكل الهواء الموجود هنا؛ فلو أنّ الهواء الذي نستنشقه الآن انعدم، لاختنقنا جميعًا؛ ولهذا، فإنّنا لا نشكّ في وجوده أبدًا؛ لكن، ما هو شكله؟ دلّوني عليه! فنحن نُشبه بدورنا هذا الهواء، لكنّ ذلك لا يعني أنّنا هواء، وأنّنا من سنخ الهواء، بل المراد أنّنا نُضاهيه من حيث عدم توفّرنا على شكل وصورة وصبغة؛ فلو قيل لكم: ما هو شكل السيّد حسن؟ لتعيّن عليكم أن تقولوا: لا شكل له؛ إذن، ما حقيقة شكله؟ إنّه شكل للمادّة [ولوجوده المادّي]؛ لكن، توجد مرتبة أعلى من ذلك تخلو من الشكل؛ وحينما يصل الإنسان إلى هذه المرتبة، لا يعود هناك وجود للرجل والمرأة؛ لأنّ الرجولة والأنوثة متفرّعتان عن الشكل، بل حتّى الصورة المثاليّة غير موجودة هناك؛ وهكذا، إلى أن يصل الإنسان إلى مقام الجبروت، ومن ثمّ إلى مقام الفناء.
