
اتّحاد الرجل والمرأة في النشأة والهدف
في هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإكمال بحثه عن العلاقة بين المرأة والرجل، تحدّث سماحتُه بدايةً عن السرّ الدقيق لمجيء بعض الآيات القرآنيّة بلسان مذكّر، واستعرض مجموعة من الآيات التي خاطبت الرجال والنساء معًا، ثمّ بيّن الدور الأساسّي الذي يلعبه الإيمان في العلاقة القائمة بين المرأة والرجل، مبرزًا أهمّية اطّلاع كلّ واحد منهما على التكليف المناط به؛ وبعد ذلك، تحدّث سماحته عن الحياة الطيّبة في ظلّ الإيمان، وإمكانيّة بلوغ الرجل والمرأة هذه الحياة، ثمّ خاض في البحث عن المقامات العالية التي نشأت منها الروح الإنسانيّة، وعن تنزّه هذه الروح عن الذكورة والأنوثة في تلك المقامات.
اتّحاد الرجل والمرأة في النشأة والهدف
16فحينما تتنزّل حقيقة الروح من ذلك العالم، وتهبط إلى الأسفل، وتريد أن تتجلّى على شكل إنسان، فكيف سيكون هذا الإنسان؟ يتعيّن أن يكون إنسانًا يتوالد، ويظلّ محافظًا على النسل اللاحق، وتكون له استمراريّة في البقاء؛ لكن حينما تتنزّل هذه الروح من هناك، فإنّ جهة الذكورة والأنوثة لا يكون لها أيّ معنى عند الحركة في جميع العوالم الملكوتيّة، وبمجرّد أن تلج إلى عالم المثال، تصير إمّا رجلاً أو امرأة؛ أي أنّها تتّخذ في البعض صبغة انفعاليّة، فتصير امرأة، وتتّخذ في البعض الآخر صبغة فعليّة وفاعليّة، فتُصبح رجلاً؛ لكن، ما هي علّة صيرورة الروح امرأة أو رجلاً عند تنزّلها من ذلك العالم؟ علّة ذلك أنّ هذا النظام يحتاج إلى التوالد والتناسل؛ ولو فرضنا أنّنا لم نكن محتاجين في هذه الدنيا إلى التوالد والتناسل، لما وُجدت فيه الذكورة والأنوثة.
وفي يوم القيامة، حينما يُحشر الرجل والمرأة، ويُبعثا، ويتحرّكا في عالم القيامة، فإنّ الأنوثة والذكورة لن تكون موجودة هناك أيضًا؛ لماذا؟ لأنّه لا وجود في ذلك العالم للتوالد والتناسل، حيث تكون الاستفادة فيه فعليّة ممّا حصّلناه في عالم الدنيا لأنفسنا؛ ومن هنا، فإنّ خصائصنا البدنيّة والمادّية ستتغيّر يوم القيامة؛ فلا وجود بعد ذلك للأنوثة والذكورة؛ أي أنّ ما يلزم لتحقّق التوالد والتناسل يرتبط بهذه الدنيا، وأمّا في يوم القيامة، فلا وجود للأنوثة والذكورة؛ فالمرأة موجودة هناك بحقيقتها، لكن، من دون تلك الخصائص المرتبطة بالتوالد والتناسل في هذه الدنيا؛ لماذا؟ لأنّه لا مكان لهذه الأمور في ذلك العالم، حيث إنّ هذا النوع من اللذّات مجعول لغرض التوالد والتناسل، وليس أمرًا ذاتيًّا للإنسان.
أذكر أنّني سمعت هذه المسألة من المرحوم العلاّمة، وليست منّي أنا، حيث قال: «ذات يوم، كنت عند المرحوم السيّد الحدّاد رضوان الله تعالى عليه، فقال بخصوص هذه المسألة: «يمتاز الإنسان بأنّ الله تعالى لم يخلقه كموجود شهوانيّ؛ أي أنّ الشهوة لا توجد ضمن الصفات الأوّلية التي جعلها الباري عزّ وجلّ في وجوده أوّلاً وبالذات، بل يوجد فيها التعقّل، والرحمة، والعطف، والعلم، وحسّ التكامل ورفع النقائص، وطلب الوصول إلى كمال المعرفة»، ثمّ أضاف قائلاً: «والسبب في امتلاك الإنسان لهذا الشعور، وتبلور هذا الإحساس في وجوده هو المحيط»؛ أي أنّ المحيط والصفات والعلوم التي اكتسبها في هذا المجال هي التي تسحبه نحو ذلك الاتّجاه، وهذا لا يعني أنّ أصل [هذه الشهوة] وحقيقتها غير مكنونة فيه، بل إنّ الإنسان خُلق بهذا النحو؛ أي أنّ تلك النواة المركزيّة وتلك النقاط المرتبطة بالتوالد والتناسل مكنونة في وجود الإنسان، غاية الأمر أنّ سيطرة القوى العقليّة والاتّصال بالمبدأ يوجبان انصراف الإنسان عن تلك المسائل، وتحجزانه عن الدخول في هذه الدائرة، اللهمّ إلاّ بتدخّل من المحيط، حيث يرى مجموعة من الأمور، وتحصل له سلسلة من الإدراكات، إلى أن يحدث له توجّه نحو هذه المسألة.
