
اتّحاد الرجل والمرأة في النشأة والهدف
في هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإكمال بحثه عن العلاقة بين المرأة والرجل، تحدّث سماحتُه بدايةً عن السرّ الدقيق لمجيء بعض الآيات القرآنيّة بلسان مذكّر، واستعرض مجموعة من الآيات التي خاطبت الرجال والنساء معًا، ثمّ بيّن الدور الأساسّي الذي يلعبه الإيمان في العلاقة القائمة بين المرأة والرجل، مبرزًا أهمّية اطّلاع كلّ واحد منهما على التكليف المناط به؛ وبعد ذلك، تحدّث سماحته عن الحياة الطيّبة في ظلّ الإيمان، وإمكانيّة بلوغ الرجل والمرأة هذه الحياة، ثمّ خاض في البحث عن المقامات العالية التي نشأت منها الروح الإنسانيّة، وعن تنزّه هذه الروح عن الذكورة والأنوثة في تلك المقامات.
اتّحاد الرجل والمرأة في النشأة والهدف
14فالإنسان تنزّل من هكذا مرتبة؛ ولاحظوا الآن أيّة مرتبة هي! أي أنّنا تنزّلنا من مقام تكون فيه جميع الصفات الإلهيّة غير منفصلة عن الذات، وملتصقة بها من دون تدخّل شيء آخر وذات مغايرة؛ فنحن وُجدنا من هكذا مقام؛ فـ ﴿نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ تعني أنّني أبديت نفسي من نفسي على شكلك وصورتك؛ فهل يوجد أعلى من هذا؟! أي أنّني جئت بنفسي، وأظهرتها على شكلك؛ فهذا الذي يعنيه ﴿نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾؛ أي أنّني نزّلت نفسي، وأظهرتها للجميع بهذه الملامح؛ فهل التفتنا الآن إلى من نكون؟! وهل كنّا منتبهين لحدّ الآن إلى هذه المسألة؟
توفّر الإنسان على كافّة الأسماء الإلهيّة وقدرته على فعل كلّ شيء
فلو أنّ الله تعالى أتى الآن، فماذا تتوقّعون منه أن يفعل؟ ولو أنّه سبحانه جاء إلى جلستنا هذه على شكل إنسان، وجلس هنا، فما الذي تتوقّعون منه أن يفعل؟ يُحيي الموتى، ويُبدّل السواد إلى بياض، ويأتي بالسماء إلى الأرض، ويصعد بالأرض إلى السماء، ويُحدث تغييرات في الأشياء، ويشقّ القمر، ويقلب حركة الأفلاك، ويخلق كلّ ما يأتي على بالنا من الأمور المتعارفة وغير المتعارفة؛ فيخلقها من الأساس، لا أنّه يُحيي الموتى فقط، بل يخلق؛ فهل يُمكننا توقّع شيء أعلى من هذا من الله تعالى؟! فهذا الذي نتوقّعه من الناحية الظاهريّة، وأمّا المسائل المعنويّة، فلندع الحديث عنها الآن؛ لكن، ألا يقوم الإنسان أيضًا بهذه الأعمال؟! أ لم يكن نبيّ الله عيسى يُحيي الموتى؟ أ لم يُحوّل الإمام الرضا عليه السلام صورة الأسد المنقوشة على الستار إلى أسد مفترس۱ يزن أربعمائة كيلوغرامًا؟ فافترس ذلك الساحر في رمشة عين، وابتلعه كلّه، فأغشي على المأمون؛ كما تُنقل هذه الحكاية أيضًا عن موسى بن جعفر عليه السلام٢، والذي خاطب الأسد المنقوش على الستار: «خذ يا أسد الله عدوّ الله»٣؛ مع أنّه لا يوجد لدينا هنا أسد الله، بل مجرّد صورة أسد، والتي تحوّلت إلى أسد ذي خمسمائة كيلوغرامًا؛ فمن الذي قام بهذا العمل؟ إنّه إنسان؛ والمراد من ذلك: ماذا تتوقّعون من الله تعالى؟ الخلق؛ تفضّلوا على بركة الله؛ أ فلم يفعل الإمام الرضا ذلك؟ وقد صرّحت الكتب التاريخيّة بهذا الأمر؛ أ فلم يقم موسى بن جعفر بهذا الفعل؟ أ فلم يقم الإمام الحسن بذلك؟ فبعدما عقد عليه السلام الصلح مع معاوية، جرى الاعتراض عليه ببعض الاعتراضات؛ فكان في مسجد المدينة جالسًا يتحدّث، ويقول: لو شئت، لقمت بكلّ ما أريد، فلا تتصوّروا أنّ المسألة بذلك النحو؛ فلو شئت، لحوّلت المدينة على الشام، وأتيت بالشام إلى هنا، واستبدلت المدينة بها؛ ولو أردت، لحوّلت المرأة إلى رجل، والرجل إلى امرأة؛ يا للعجب، ما هذا الكلام الذي يقوله؟! فقال أحد الجالسين هناك: هل تتكلّم بجدّ؟! فقال له الإمام عليه السلام مباشرة: «اذهبي وضعي حجابك على رأسك»؛ فحينما نظر إلى نفسه، رأى بأنّ شعره قد صار طويلاً، وهكذا بالنسبة لبقيّة الأمور؛ فقال له الإمام: اذهب وضع الحجاب على رأسك! فذهب بسرعة، ووضع شيئًا على رأسه؛ لأنّه صار امرأة، ولم يكن ذلك من باب الخدع السحريّة؛ فما إن أراد الذهاب، حتّى قال له عليه السلام: انتظر، حينما ستذهب إلى بيتك، ستجد هناك رجلاً ذا شارب طويل بانتظارك!!! ففضلاً عن أنّه حوّل ذلك الرجل إلى امرأة، فإنّه حوّل زوجته التي كانت في البيت إلى رجل؛ فقال: يا للعجب، هذا من الأمور التي لم ندرسها لحدّ الآن!! فإلى هذا الحين كنتُ رجلاً، والآن أصبحتُ امرأة؛ إنّه لأمر سيّء جدًّا! ثمّ قال له عليه السلام: سوف يولد لكما طفل خنثى؛ فعليك أن تعلم بذلك؛ فذهب إلى منزله، فرأى شخصًا جالسًا هناك يقول له: «السلام عليكم، كيف هي أحوالك؟» أجل، «گهى پشت بر زين گهى زين به پشت، چنين است رسم سراى درشت»٤؛ فإلى هذا الحين، كانت المسألة تتمّ بنحو، لكن من الآن فصاعدًا، تفضّل، فقد صارت تتمّ بنحو آخر!! فما هو سبب ذلك؟ إنّه إمام! أ فلم يقم بهذا الفعل؟ وقد نُقلت هذه القصّة حتّى عن أهل السنّة؛ وبعدما صار لديهما ولد، ذهبا إلى خارج المدينة؛ فقد نغضّ النظر عن تلك التي صارت رجلاً، لكن، ماذا عن هذا الذي أصبح امرأة؟!! ثمّ جاءا عند الإمام سلام الله عليه، وتابا على يديه، فأرجعهما إلى حالتهما الأولى، وقال لهما: ليُعد كلّ واحد منكما إلى أداء وظيفته؛ وحوّل أيضًا ذلك الطفل إلى بنت أو ولد، حيث يوجد لدينا هنا روايتين مختلفتين في النقل٥؛ فهذا هو فعل الإمام؛ لكن، أ ليس هذا فعل الله تعالى؟ فكيف تمكّن الإمام من القيام به مع أنّه إنسان؟!
- معرفة المعاد، ج ۱، ص ۱۷٣.
- معرفة المعاد، ج ۱، ص ۱۷٤.
- الأمالي (للصدوق)، ص ۱٤۸: «يا أسدَ الله خُذ عَدُوَّ الله».
- مثل فارسيّ تعريبه: هذه هي عادة الدنيا؛ فتارة نمتطي السرج؛ وتارةً أخرى يمتطينا السرج؛ ويُعادله في اللغة العربيّة الحديث المرويّ عن أمير المؤمنين عليه السلام: «الدهر يومان: يوم لك، ويوم عليك». المعرّب
- بحارالأنوار، ج ٤٣، ص ٣٢۷.
