
اتّحاد الرجل والمرأة في النشأة والهدف
في هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإكمال بحثه عن العلاقة بين المرأة والرجل، تحدّث سماحتُه بدايةً عن السرّ الدقيق لمجيء بعض الآيات القرآنيّة بلسان مذكّر، واستعرض مجموعة من الآيات التي خاطبت الرجال والنساء معًا، ثمّ بيّن الدور الأساسّي الذي يلعبه الإيمان في العلاقة القائمة بين المرأة والرجل، مبرزًا أهمّية اطّلاع كلّ واحد منهما على التكليف المناط به؛ وبعد ذلك، تحدّث سماحته عن الحياة الطيّبة في ظلّ الإيمان، وإمكانيّة بلوغ الرجل والمرأة هذه الحياة، ثمّ خاض في البحث عن المقامات العالية التي نشأت منها الروح الإنسانيّة، وعن تنزّه هذه الروح عن الذكورة والأنوثة في تلك المقامات.
اتّحاد الرجل والمرأة في النشأة والهدف
13وهناك بعض المسائل [والصفات] مكتسبة؛ كالعلم والقدرة؛ مع أنّ جزءًا من القدرة هو الذي يكون مكتسبًا؛ ولهذا، فإنّ الإنسان الذي يجلس في بيته، لا يُمكنه أن يصير خطّاطًا ماهرًا، بل عليه أن يذهب للمدرسة، لكي يتعلّم من أساتذة هذا الفنّ؛ كما أنّ الذي يقعد في منزله لا يتسنّى له أن يُصبح طبيبًا، بل عليه أن يلتحق بتلك الأماكن الخاصّة بالتدريب، ويُمارس هذا العمل؛ وكذلك الذي يجلس في بيته لا يُمكنه أن يصير مجتهدًا وعالمًا بالأحكام الإسلاميّة، بل عليه أن يذهب إلى المدرسة، ويتعلّم تلك الأمور؛ فهذا الذي يُقال عنه أنّه كسبيّ. وأمّا بالنسبة للذات الإلهيّة، فلا معنى فيها للصفات الكسبيّة؛ لأنّ جميع الصفات التي يتّصف بها الباري عزّ وجلّ ذاتيّة ولازمة لذاته، حيث يُراد من الصفات الذاتيّة تلك الصفات التي متى ما تحقّق موضوعها، فإنّها تتحقّق بتبعه قطعًا؛ ولأضرب مثالاً عاديًّا جدًّا على ذلك: إنّ الماء يتّسم بالسيلان؛ فإذا سكبت هذا الكوب الذي أحمله بيدي على الأرض، فإنّه يبدأ في الحركة والنفوذ داخل البساط؛ فهل رأيتم ماء مسكوبًا على الأرض لا يتحرّك ولا يسيل؟ لا؛ أجل، قد تُجزّؤون هذا الماء، فيفقد هذه الخاصّية، حينما يُفصل الأكسجين عن الهيدروجين، ولا يعُد بعد ذلك يسيل؛ لكن، ما دام الماء ماءً، فإنّه يظلّ مترافقًا مع السيلان. والمثال الآخر الذي يُضرب على هذا الأمر أنّ العدد أربعة زوج، والعدد ثلاثة فرد؛ فهل بوسعكم أن تعثروا على أربعة تكون فردًا؟ أو ثمانية عشر تكون فردًا، أو خمسة عشر تكون زوجًا؟! وتقولوا: إنّ العدد خمسة عشر فرد في قمّ، وزوج في طهران؛ مع أنّه قد يحصل ذلك أحيانًا، وقد حصل فعلاً، وشاهدت ذلك!!! فالعدد خمسة عشر فرد في إيران، والسعوديّة، وأمريكا، وفي كلّ مكان؛ وهكذا الشأن أيضًا بالنسبة للعدد ستّة عشر؛ وهذه هي التي يُقال لها صفات ذاتيّة؛ أي أنّها صفات لا تنفصل أبدًا عن موصوفها، حيث نجد أنّ الصفات الإلهيّة هي بهذا النحو.
فجميع الصفات التي نعتبرها صفات إلهيّة جماليّة، أو صفات إلهيّة جلاليّة لم يكتسبها الباري عزّ وجلّ؛ مع أنّ هناك العديد من الأبحاث في هذا المجال، حيث تُعدّ هذه المسألة من المسائل العويصة جدًّا التي شكّلت محلاً للاختلاف في الرأي بين الفلاسفة والحكماء والعرفاء؛ فهذه الصفات غير مكتسبة، بل حتّى هذه المخلوقات بأجمعها، والتي يأتي الواحد منها تلو الآخر، لم تُضف إلى علم الله تعالى شيئًا، ولو بمقدار رأس إبرة، بينما نجدها تُضيف شيئًا إلى علمنا نحن، حيث تنضاف كلّ يوم مسألة إلى مسائلنا، ومعلومة إلى معلوماتنا؛ وأمّا بالنسبة لله تعالى، فإنّ كافّة هذه المخلوقات التي تأتي إلى هذا العالم الواحدة تلو الأخرى لا تزيد مقدار مليمتر واحد وذرّة واحدة إلى علمه سبحانه قبل الخلق؛ لماذا؟ لأنّ كلّ شيء واضح عند الله تعالى، والأشياء بأجمعها صدرت منه سبحانه؛ فكيف يُمكن ـ والحال هذه ـ ألاّ يكون الفاعل عالمًا بفعله؟ وكيف يُمكن للذات ألاّ تتوجّه إلى عوارضها؟ إنّ هذا من المستحيلات!
