
اتّحاد الرجل والمرأة في النشأة والهدف
في هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإكمال بحثه عن العلاقة بين المرأة والرجل، تحدّث سماحتُه بدايةً عن السرّ الدقيق لمجيء بعض الآيات القرآنيّة بلسان مذكّر، واستعرض مجموعة من الآيات التي خاطبت الرجال والنساء معًا، ثمّ بيّن الدور الأساسّي الذي يلعبه الإيمان في العلاقة القائمة بين المرأة والرجل، مبرزًا أهمّية اطّلاع كلّ واحد منهما على التكليف المناط به؛ وبعد ذلك، تحدّث سماحته عن الحياة الطيّبة في ظلّ الإيمان، وإمكانيّة بلوغ الرجل والمرأة هذه الحياة، ثمّ خاض في البحث عن المقامات العالية التي نشأت منها الروح الإنسانيّة، وعن تنزّه هذه الروح عن الذكورة والأنوثة في تلك المقامات.
اتّحاد الرجل والمرأة في النشأة والهدف
12إنّ التصاق جميع الصفات الإلهيّة الجماليّة والجلاليّة بمرتبة الذات، واتّصاف الذات بها راجعٌ إلى ذلك الوجود الذي هو عبارة عن الله تعالى بعينه؛ أي أنّ تلك الحقيقة وذلك التشخّص والتعيّن الذي نُسمّيه بالوجود الصرف والمطلق وغير المقيّد ...، حيث إنّ وجوداتنا نحن مقيّدة بأجمعها، فنرى أنّ أحدنا صغير، والآخر كبير، والثالث له شكل معيّن وملامح خاصّة؛ فهذه بأجمعها قيود تُظهر كلَّ وجودٍ بحصّة خاصّة وشكل محدّد؛ وأمّا وجود الله تعالى، فلا شكل، ولا لون، ولا حدّ، ولا كمّ، ولا مقدار، ولا كيف له؛ ونحن لا نستطيع القول إنّه هناك، ولا يُمكننا الإشارة إليه في السماوات، ولا حتّى في وجودنا؛ لأنّ كافّة هذه الإشارات حدود لـ «هو»؛ و«هو» أعلى من الحدّ والقيد، بل حتّى من الإطلاق الذي نقصده نحن؛ أي باصطلاح الفلاسفة.
فهذا الوجود الإلهيّ يستدعي ـ ذاتًا ومن دون تدخّل الغير ـ مجموعة من الصفات؛ وهذا، كما لدينا نحن أيضًا سلسلة من الصفات، غاية الأمر أنّ بعضها فطريّ وغير مكتسب، وبعضها الآخر مكتسب؛ ومثال الصفات غير الكسبيّة السعي نحو نيل المنافع؛ فمن بين الصفات التي نتحلّى بها أنّنا نسعى للظفر بمصالحنا الشخصيّة؛ ومنها أيضًا صفة الغضب، والتي توجد في كافّة الناس، ولم يتعلّمها أحد من الآخرين؛ ومن بين هذه الصفات أيضًا، صفة الرحمة والعطف، والتي لم يُعلّمها أحد لأحد؛ صحيح، قد تختلف هذه الصفات في الناس شدّة وضعفًا، لكن، لم يأت أيّ أحد، ويعلّم الأخرين الرحمة، والعطف، والغضب، والشهوة، حيث سيأتينا إن شاء الله تعالى الحديث عن مسألة الشهوة في هذه الجلسة، أو في الجلسة اللاحقة.
ومن بين الصفات التي نتوفّر عليها، صفة طلب الكمال وسدّ النقائص، وهي صفة موجودة في الجميع، حيث نجد أنّ الإنسان يسعى ذاتيًّا لإزالة نقائصه؛ وإلاّ، فلماذا حينما تمشون في الشارع، وتصلون إلى محلّ بيع الجرائد، فإنّكم تعمدون إلى قراءتها؟ لأنّكم تريدون سد نقصكم العلميّ عن الأوضاع السائدة من خلال قراءة الجريدة؛ هذا، مع أنّ تضييع الإنسان وقته بهذه الأشياء خطأ كبير؛ فلا ينبغي عليه أن يُمارس هذه الأفعال كيفما كان، اللهمّ إلاّ في بعض الحالات. ولماذا حينما يحلّ موعد بثّ الأخبار، فإنّكم تفتحون المذياع، لكي تستمعوا إليها؟ لماذا؟ لأنّ الإنسان يسعى إلى رفع جهله؛ مع أنّ رفعه لجهله في بعض الأحيان قد يجرّه إلى نفس الجهل.. حسن جدًّا! لقد أصغيت إلى خبرين أو ثلاثة، فأغلق الآن المذياع؛ لكن، لماذا تُهدر ثلاثة أرباع وقتك في الاستماع؟! فما هو دخلي أنا بأمور من قبيل: هذا جاء، والآخر رحل؛ هذا مات، والآخر أحيي؟ إن كان ذلك يتعلّق بمسألة علميّة مفيدة، فهذا جيّد؛ وأمّا غير ذلك، فإهدار للوقت، وتضييع للعمر. إنّ السبب في ذلك هو أنّ الإنسان يُحبّ أن يرفع جهله؛ وهي مسألة فطريّة.
