
اتّحاد الرجل والمرأة في النشأة والهدف
في هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإكمال بحثه عن العلاقة بين المرأة والرجل، تحدّث سماحتُه بدايةً عن السرّ الدقيق لمجيء بعض الآيات القرآنيّة بلسان مذكّر، واستعرض مجموعة من الآيات التي خاطبت الرجال والنساء معًا، ثمّ بيّن الدور الأساسّي الذي يلعبه الإيمان في العلاقة القائمة بين المرأة والرجل، مبرزًا أهمّية اطّلاع كلّ واحد منهما على التكليف المناط به؛ وبعد ذلك، تحدّث سماحته عن الحياة الطيّبة في ظلّ الإيمان، وإمكانيّة بلوغ الرجل والمرأة هذه الحياة، ثمّ خاض في البحث عن المقامات العالية التي نشأت منها الروح الإنسانيّة، وعن تنزّه هذه الروح عن الذكورة والأنوثة في تلك المقامات.
اتّحاد الرجل والمرأة في النشأة والهدف
10وفي هذا المقام، تقول الآية الكريمة: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾؛ أي إنّنا نحييهم، ونخرجهم من عالم الموت، والسكون، واللاشعور، وعدم الإحساس؛ هذا، وبوسعنا نحن أيضًا اختبار الناس بخصوص هذه المسألة؛ فيُمكنكم أن تتحدّثوا مع مختلف الأفراد، وتُجالسونهم، وترون في ماذا يُفكّرون، وما هو العالم الذي يُفكّرون فيه، وحينما يريدون الخروج صباحًا من المنزل، ما هو الهدف الذي يصبون إليه: نأخذ هذا، ونضرب ذاك، ونُقيّد هذا، ونُمسك بذاك، ثمّ نرجع في الليل إلى المنزل؛ ومن الواضح أنّه عبارة عن حيوان؛ إذ لا نراه يُفكّر في أيّ شيء آخر، بل تفكيره مقتصر على: تحصيل أموال أكثر، والإنفاق بشكل أفضل، والأكل بطريقة أحسن، والنوم بنحو أرقى؛ ثمّ الوداع، وانتهى الأمر! فهذا يصير حيوانًا بعينه؛ والله تعالى يقول عن هكذا أناس: موتى! حيث ورد في الآية الكريمة: يا رسولي، إنّك لا تستطيع أن تُعلّم الموتى أيّ شيء ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى﴾۱؛ فلا يُمكنك إسماعهم، ولا إفهامهم، ولا إرضاءهم؛ لأنّهم موتى؛ ولماذا هم كذلك؟ لأنّهم ظلّوا كالجبص، ومثل التماثيل؛ فلا وجود للإنسانيّة فيهم. فنحن سنحييهم بالحياة الطيّبة؛ فما هي هذه الحياة؟ إنّها حياة طيّبة، وزكيّة، لا دنس فيها، بل كلّها بهجة ونشوة، واكتساب لكافّة التجلّيات والجذبات الإلهيّة، وانغمار في بحار الرحمة الإلهيّة، واجتذاب لجميع الألطاف والأنوار؛ فيا لها من أمور تحدث هناك بحقّ!
لمناسبة ما، كنت أستمع البارحة إلى كلمة للمرحوم العلاّمة رضوان الله تعالى عليه ألقاها في مسجد القائم؛ فتعجّبت لطريقة كلامه؛ فكأنّه كان يعيش بنفسه في ذلك الأفق حينما قال: «أيّها السادة، لو أنّ الله تعالى أظهر للمؤمنين هنا ما أعدّه لهم في يوم القيامة، ولو للحظة واحدة، لما التفتّم أبدًا إلى أيّ شيء في هذه الدنيا»؛ أي أنّ تلك الأمور تأخذ بالعقول ومجامع القلوب إلى درجة كبيرة جدًّا؛ وحينئذ، انظروا إلى هؤلاء الأولياء الذين اطّلعوا على هذه المسائل، وكيف أنّهم يتحمّلون كلّ ذلك! وكيف كانوا يصبرون علينا نحن! أجل، لقد كانوا يصبرون علينا، مع أنّهم رأوا كلّ تلك الأمور؛ فلو أنّكم اطّلعتم على ما أعدّه الله تعالى لهم، لما نظرتم إلى الدنيا، ولا إلى الزوجة ولا الأولاد، ولا إلى المنزل الصيفيّ ولا الشتويّ، ولا إلى الاستجمام، ولا إلى أيّ شيء آخر أبدًا؛ وحينئذ، ماذا ستفعلون؟ وهذا أقوله أنا بنفسي، ولم يقله هو: ستذهبون إلى غار حراء كما فعل النبيّ، ولن ترجعوا إلى مكّة إلاّ مرّة كلّ ثلاثة أشهر؛ فهكذا كان الرسول. وبالله عليكم، هل كان صلّى الله عليه وآله وسلّم يفتقر ـ لا سمح الله لا سمح الله لا سمح الله ـ إلى الصفات والمشاعر الإنسانيّة حينما كان يذهب إلى هناك؟ فهل ذهبتم سابقًا إلى غار حراء؟ رزقكم الله تعالى الذهاب إلى هناك لكي تتعرّفوا عليه؛ ففي ذلك الزمان، لم يكن متّصلاً بمكّة كما هو الآن، بل كان يبعد عنها بفرسخين؛ فكان النبيّ يذهب إلى هناك، ويظلّ أربعين يومًا؛ سواءً قبل أن يتزوّج بالسيّدة خديجة، أو بعد أن كان معها؛ ويا لها من امرأة عظيمة كانت تشعر بهذه المعاني! فكانت تمرّ كلّ يومين أو ثلاثة أيّام برسول الله، وتحضر له الطعام والماء، من دون أن تقول له أبدًا: «إنّني لوحدي بالبيت، بينما جئتَ أنت إلى هنا، ونحن مثلاً صرنا زوجين»؛ لا، بل كانت تقول: «فلأدعه يُؤدّي أعماله، ولأتركه يعيش حالاته الخاصّة»؛ فهي لم تصر هي السيّدة خديجة هكذا، بل كانت تقوم بتلك الأفعال، وكانت تقول: فلأدعه يمشي في طريقه؛ وفي هذه الحالة، ما الذي كان يُدركه الرسول؟ هل كان يقتصر على الجلوس هكذا؟ فيبقى جالسًا هكذا يقول الأذكار؟ إن جلستم أنتم لمدّة ساعتين، ألن تشعروا بالتعب؟ فما هو التوجّه الذي كان يحصل له؟ وما الذي كان يشعّ عليه؟ وما الذي كان يرد على قلبه، لكيلا ينزل من هناك إلى تحت لمدّة أربعين يومًا؟ ففي نهاية المطاف، هو إنسان، له عقل، وأحاسيس، وفهم، وفكر، وعاطفة؛ فإذا لم يكن يفق الآخرين في ذلك، فهو لم يكن يقلّ عنهم فيه. إنّ السبب في ذلك هو هذه الأمور؛ ويقول حافظ هنا بيتًا شعريًّا كان المرحوم العلاّمة يُردّده كثيرًا؛ فحينما كُلّف رسول الله [بإبلاغ الوحي]، ونزلت ﴿اقرأ باسم ربك الذى خلق* خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ﴾٢، فإنّ حافظ يحكي عن هذا المعنى، ويقول: «من كه ملول گشتمى از نفس فرشتگان»٣؛ أي أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم وصل إلى مرتبة، بحيث صار لا يتحمّل الحديث مع الملائكة؛ وحينئذ، لو تمكّنا نحن من الاطّلاع ولو على تلك المراتب الدانية جدًّا، لتوجّهنا إليها في جميع أوقاتنا؛ وهذا يعني أنّه لم يكن صلّى الله عليه وآله وسلّم يتحمّل النزول إلى تحت أبدًا. «قال ومقال عالمى مىكشم از براى تو»؛ أي: أتجرّع لأجلك عَذْلَ الخلائق (وأذاهم)؛ وهذا هو الذي يعني ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾؛ وفي هذه الحالة، يقوم الرسول، ويأتي إلى مكّة، فيذهب عند أبي سفيان، وأبي جهل، وأبي بكر، وسلمان، وأبي ذرّ؛ فيأتي عندهم واحدًا واحدًا؛ معتمدًا على أخلاقه الحسنة، وصبره، وثباته؛ فيشعلون ضدّه الحروب، ويضربونه، ويكسرون أسنانه، ويشجّون وجهه، ويرضّون جبهته، وتدخل حلقات المغفر في مخّ عظم رأسه؛ فهذا هو الذي يعنيه ذلك؛ لكن، هل نقوم نحن بالشيء ذاته؟! «قال ومقال عالمى مىكشم از براى تو»؛ أي: أتجرّع لأجلك عَذْلَ الخلائق (وأذاهم).
- سورة النمل، الآية ۸۰.
- سورة العلق، الآيتان ۱ و٢.
- أي: أنا الذي صرت ملولاً من أنفاس الملائكة. المعرّب
