
العقل النظريّ والعمليّ
مقدّمة في البحث عن ملاك تفضيل الرجل
في هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للحديث عن ملاك تفضيل الرجال على النساء في الآيات والروايات، تعرّض سماحته بدايةً لنقد الرأي القائل إنّ هذا الملاك هو القوّة الجسميّة، ثمّ استعرض الملاك الوارد في الروايات بخصوص هذه المسألة؛ وهو العقل، فقسّمه إلى عقل نظريّ وعمليّ مبيّنًا المراد الحقيقيّ من كلّ واحد منهما، ثمّ تحدّث عن دور العقل العمليّ في دائرة الأمور الاجتماعيّة، مستعرضًا بعض النماذج على خطورة التخبّط فيه؛ هذا، وتكلّم سماحته في ضمن هذه الأبحاث عن مسائل وقضايا مفيدة أخرى.
العقل النظريّ والعمليّ
الوصف:
في هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للحديث عن ملاك تفضيل الرجال على النساء في الآيات والروايات، تعرّض سماحته بدايةً لنقد الرأي القائل إنّ هذا الملاك هو القوّة الجسميّة، ثمّ استعرض الملاك الوارد في الروايات بخصوص هذه المسألة؛ وهو العقل، فقسّمه إلى عقل نظريّ وعمليّ مبيّنًا المراد الحقيقيّ من كلّ واحد منهما، ثمّ تحدّث عن دور العقل العمليّ في دائرة الأمور الاجتماعيّة، مستعرضًا بعض النماذج على خطورة التخبّط فيه؛ هذا، وتكلّم سماحته في ضمن هذه الأبحاث عن مسائل وقضايا مفيدة أخرى.
العقل النظريّ والعمليّ
12تعريف العقل النظريّ والعقل العمليّ
فالعقل النظريّ عبارة عن العقل الذي يبحث عن التصوّرات والتصديقات التي تعرضه كيفما كانت، لكي يتعرّف على صحّتها أو خطئها؛ فهل إنّ الإنصاف والمروءة أمر حسن أم لا؟ هذه مسألة ترتبط بالعقل النظريّ؛ وهل إنّ الصدق حسن أم لا؟ هذه مسألة ترتبط أيضًا بالعقل النظريّ؛ وهل إنّ الكون يتوفّر على قوّة ووجود مكتنف بالأسرار، أم أنّه أمر عبثيّ ومطلق العنان؟ هذه بدورها مسألة تتعلّق بالعقل النظريّ؛ وهل إنّ عالم الوجود مبتنٍ على أساس قيم مطلقة؟ هذه أيضًا مسألة ترتبط بالعقل النظريّ؛ فكافّة هذه القضايا تختصّ بالعقل النظريّ. إنّ الوصول إلى الكلّيات، والتوصّل إلى القضايا التي يُواجهها الإنسان على مدار الساعة، ويُخضعها لمعيار الواقع ونفس الأمر، لكي يرى هل هي صحيحة أم لا، هو ممّا يرتبط بالعقل النظريّ.
وأمّا العقل العمليّ، فما هي حقيقته؟ العقل العمليّ يا أعزّائي هو أمر آخر مختلف عمّا ذكرتموه؛ فهو عبارة عن مطابقة الإنسان لنفسه مع هذه المسائل الكلّية؛ فبعد أن يتوصّل الإنسان إلى مسألة كلّية، يأتي الكلام عن طريقة تكييف نفسه مع هذه المسألة؛ فحينما يُدرك هذا الإنسان أنّ العدل مطروح في نظام عالم الخلقة كقيمة من القيم، فإذا استطاع أن يُخضع نفسه لهذا العدل متى ما حصل نزاع بين ابنه وابن الجيران، ولم يحِد عن الحقّ ويمنحه لابنه، فهنا يحلّ العقل العمليّ.
فالعقل العمليّ يتمثّل في أنّه: متى ما توصّل الإنسان بعقله النظريّ إلى ضرورة الالتزام بالصدق والصراحة في كلّ مكان وظرف، سواءً كان ذلك لمصلحته أو لا، فإنّه لا يتعثّر ولا يتزلزل حينما يصل الدور إليه؛ والعقل العمليّ يكمن في ألاّ يضع الإنسان القانون فيما يخدم مصلحته الشخصيّة، بل يضعه وفقًا للمصلحة العامّة؛ والعقل العمليّ هو ألاّ يُفصح الإنسان عن الأحكام بطريقة معيّنة، ما دام ذلك يصبّ في المصلحة؛ لكن، حينما تتغيّر الأمور، يتحدّث عنها بطريقة أخرى؛ فالعقل العمليّ عبارة عن انطباق وتطبيق خصائص الإنسان الوجوديّة على القوانين والقضايا الكلّية التي توصّل إليها هذا الإنسان.
حكى لي أحد الأطبّاء البارزين في زراعة القرنيّة، وهو من أصدقائنا بمشهد أنّ أحد المشايخ كان يُشكل على زراعة القرنيّة، ويقول بحرمتها؛ فقال له: «لا يحقّ لك أن تنزع قرنيّة الذين ارتحلوا عن هذا العالم، ثمّ تزرعها في إنسان آخر؛ فهذا عمل محرّم، ويُعدّ تشريحًا للميّت وتمثيلاً بجثّته»؛ ولا يخفى أنّه لا يوجد إشكال في هذا العمل. فكان ذلك الطبيب يقول له: «هذا لا يصحّ؛ لأنّ ذلك المريض صار أعمى، والآخر قد مات، ولا يملك من أمر نفسه شيئًا، كما أنّه لا يحتاج إلى تلك القرنيّة، ولدينا العديد من الفتاوى [بالحلّية]»؛ فقال ذلك الطبيب: «لكنّه لم يقبل، وأصرّ على كلامه، وطفق يعترض عليّ؛ ثمّ إنّ ابن ذلك الشخص كان يمشي [في الشارع]، فأصابه غصن شجرة في عينه، فتلفت قرنيّته، فجاء عندي بنفسه، وقال لي: ازرع له قرنيّة؛ فقلت له: ما الذي حصل؟ قال لي: قم بها هذه المرّة فقط، ثمّ لا تعُد إلى ذلك».
