
وظيفة العقلين النظريّ والعمليّ والمراد الحقيقيّ من ضعف رأي النساء
ما هي الرؤية التفريطيّة لشخصيّة المرأة؟ ما هي الرؤية الإفراطيّة لشخصيّة المرأة؟ هل تختلف المرأة عن الرجل من حيث العقل النظريّ؟ كيف تتدخّل الغرائز في وظيفة العقل العمليّ؟ هل موضع انحراف الإنسان عقله النظريّ أم العمليّ؟ ما هو الدور الذي تلعبه العواطف في إعاقة العقل العمليّ عن أداء وظيفته؟ ما هي الحالات التي يُعاني فيها رأي النساء من الضعف؟ هل الحُكم بضُعف رأي النساء مُطلق؟ هي تساؤلات سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لإكمال حديثه عن العلاقة القائمة بين الرجل والمرأة.
وظيفة العقلين النظريّ والعمليّ والمراد الحقيقيّ من ضعف رأي النساء
12موضع انحراف الإنسان غالبًا عقلُه العمليّ وليس النظريّ
يدّعون الآن أنّ الإنسان المعاصر تقدّم، وارتقى عقلُه، وتطوّر عمّا كان عليه الحال قبل ألف وأربعمائة سنة! حسنًا، أعلنوا غدًا في طهران بأنّكم ألغيتم قوانين المرور، وأنّ كلّ من يرتكب مخالفة لن يُعاقب، وسوف ترون أنّ المدينة صارت عبارة عن غابة، ووقعت خمسين ألف حادثة، وقُتل عشرون ألف شخص؛ هل انتبهتم؟! فأعلنوا ليوم واحد فقط عن إلغاء الغرامات على ارتكاب المخالفات، وسترون كم عدد الأفراد الذين يلتزمون بالقانون؛ فهذا هو حال الإنسان المعاصر! حيث إنّه يتوفّر على نفس الوجود بكافّة خصائصه من دون أيّ فارق؛ فلولا أنّ العصا مرفوعة فوق رؤوسنا، لما طبّقنا القانون أبدًا، اللهمّ إلاّ بالنسبة لبعض الأفراد الذين بلغوا إلى درجة الكمال العقليّ؛ فهؤلاء فقط هم الذين لا يحتاجون إلى القانون، بل إنّ الحاكم عليهم هو وجدانهم وفطرتهم وعقلهم، سواءً وُجد قانون، أم لا.
كنت برفقة المرحوم العلاّمة ذاهبًا إلى مكان ما، وكانت الساعة الحادية عشرة ليلاً، وكان الشارع خاليًا من كلّ إنسان، بل ولم يكن هناك حتّى طائر واحد يخفق بجناحيه، وكانت إشارة الضوء حمراء، فأراد السائق أن يمرّ، فقال له المرحوم العلاّمة: «أيّها السيّد، توقّف، فإشارة الضوء حمراء؛ ولهذا، عليك أن تتوقّف، ثمّ تمرّ بعد ذلك [بعدما تصير خضراء]»؛ هذا، مع أنّ الساعة كانت آنذاك الحادية عشرة ليلاً، والفصل هو فصل الشتاء، والحرارة تبلغ الخامسة عشرة درجة تحت الصفر، ولم يكن هناك أيّ أحد، ولو طائر يخفق بجناحيه؛ فما هي علّة ذلك؟ لأنّه بلغ مرتبة الكمال العقليّ، والكمال العقليّ يقول: عليك أن تُطبّق القانون، سواءً كانت الساعة الحادية عشرة ليلاً، أم الثانية عشرة ظهرًا، من دون أيّ فارق؛ وحينئذ، وبغضّ النظر عن أمثال هؤلاء، إن قلنا: لقد ألغينا الغرامات، هل سيمتثل الناس للقانون؟ فالمتوقّع من هذا الملاك الموضوع للوصول إلى الواقع أن يُحطّم هذه السدود، ويتقدّم إلى الأمام.
فلو كان هؤلاء لا يتوفّرون على ذلك العقل النظريّ، لكان حالهم حال الجدران والأعمدة، ولما وُجد أيّ معنى لذمّ الباري عزّ وجلّ إيّاهم؛ لأنّهم سيقولون بدورهم: نحن لم نكن نُدرك هذه المسائل من الأساس؛ فشأننا كشأن ذلك الطفل الذي له خمس سنوات؛ لكن، لا، ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها﴾؛ فهم يتوفّرون على قلوب، ويعرفون الحقّ كما يعرفون الشمس في رائعة النهار؛ وقد جاء في الآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ ...﴾؛ فأولئك النصارى واليهود الذين أعطيناهم الكتاب ﴿يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ﴾؛ فهم يعرفونك [أيّها النبيّ] كما يعرفون أبناءهم؛ وبالتالي، من الواضح أنّ لهم قلوبًا؛ ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾۱؛ لكنّ العديد منهم يكتمون الحقّ؛ هل انتبهتم؟! فهنا تأتي ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾؛ وعليه، فإنّهم يتمتّعون بالفهم والإدراك، وعقلهم النظريّ يقول لهم: إنّه نبيّ، ويُطبّق تلك الملاكات على هذا الشخص، ويعمل على المطابقة بين ما ذُكر في الكتب وبين هذه المعايير؛ وبالتالي، عليهم أن يرضخوا [للحقّ]؛ وهنا تأتي تلك المَلَكات، وتتقدّم إلى الأمام، وتقول: «إنّ لديك مكانتك الخاصّة، وتتوفّر على مريدين وسط الناس، وأنت محلّ لمراجعة الناس وتردّدهم؛ فإذا تقرّر أن تتّبع هذا النبيّ، فإنّ جميع ذلك سيذهب أدراج الرياح؛ لأنّهم سيقولون: لا حاجة لنا بك مع وجود النبيّ؛ وبالتالي، لن يطرق بابك أحد، ولن يأتي عند أيّ واحد»؛ هل انتبهتم؟!
- سورة البقرة، الآية ۱٤٦.
