
وظيفة العقلين النظريّ والعمليّ والمراد الحقيقيّ من ضعف رأي النساء
ما هي الرؤية التفريطيّة لشخصيّة المرأة؟ ما هي الرؤية الإفراطيّة لشخصيّة المرأة؟ هل تختلف المرأة عن الرجل من حيث العقل النظريّ؟ كيف تتدخّل الغرائز في وظيفة العقل العمليّ؟ هل موضع انحراف الإنسان عقله النظريّ أم العمليّ؟ ما هو الدور الذي تلعبه العواطف في إعاقة العقل العمليّ عن أداء وظيفته؟ ما هي الحالات التي يُعاني فيها رأي النساء من الضعف؟ هل الحُكم بضُعف رأي النساء مُطلق؟ هي تساؤلات سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لإكمال حديثه عن العلاقة القائمة بين الرجل والمرأة.
وظيفة العقلين النظريّ والعمليّ والمراد الحقيقيّ من ضعف رأي النساء
11ومن هنا، فإنّ هذه الغرائز تضطلع بدور أساسيّ في أسلوب تفكيرنا وطريقة توجّهنا؛ فمع أنّ الله تعالى وهب الإنسان العقلين العمليّ والنظريّ اللذين يضعان الإنسان في الطريق المستقيم لأجل الوصول إلى الهدف المنشود، لكنّ المسألة المهمّة هنا أنّ ذلك لا يكفي؛ إذ توجد إلى جانب العقل العمليّ بقيّة الغرائز؛ نظير غريزة الشهوة، وغريزة الغضب، وغريزة حبّ المال، وغريزة الرئاسة، وغريزة حبّ الذات التي تُعدّ كافّة تلك الأمور عبارة عن آثارها وتجلّياتها، وغريزة حبّ آثار الذات، وحبّ المرأة، والولد، والمِلك، والعمل، والتجارة، والمكانة، والرئاسة، والمنصب، والعلاقات؛ فنحن مبتلون بكافّة هذه الأمور شئنا أم أبينا؛ وحينئذ، يتعيّن على هذا العقل العمليّ قطع طريق طويل لإزاحة الموانع، وطرد الهواجس التي تصدّه عن الوصول إلى الهدف المنشود.
لقد حصل لعدّة مرّات أن عرضوا مسألة على أحدهم، وقد ذكرنا ذلك في الجلسة السابقة، وضربنا أمثلة على ذلك، فلا حاجة للتكرار، وقالو له: «أيّها السيّد إذا قام أحد بالفعل الكذائيّ بالطريقة الفلانيّة ووفقًا للظروف العلاّنية، فما هو الحكم الذي سيترتّب على ذلك؟»؛ فيقول لهم مثلاً: «حكمه السجن لمدّة سنتين، ودفع غرامة بمقدار معيّن»، حيث يتعيّن على ذلك الشخص أن يتحمّل تبعات أفعاله؛ لكن، إن قيل له: «إنّ هذا الشخص هو ابنك»، فإنّه سيقول: «في هذه الحالة، اتركوا لي مجالاً للتفكير»؛ فما هو سبب طلبه فسحةً للتفكير، مع أنّهم بيّنوا له حقيقة المسألة؟! أو أن يُقال له: «إنّ ذلك الشخص رفيقك»؛ فإنّه سيقول: «توقّفوا قليلاً، لكي أُحقّق بدوري عن الأمر»، فيدّعي ذلك، ويُرسل الملفّ إلى الأرشيف، وتُمحى القضيّة من أساسها! فما هو سبب ذلك؟ سببه أنّ العقل العمليّ واقع في أسر تلك الملكات والصفات؛ ولذلك، لا يستطيع تحمّل مسؤوليّته، وإنجاز التكليف الملقى على عاتقه؛ إذ إنّ جميع المسائل تدور حول هذا المحور.
آيات قرآنيّة تدلّ على سقوط العقل العمليّ في أسر الغرائز والصفات الذميمة
لقد بيّن الباري تعالى هذه المسألة في القرآن الكريم بطرق مختلفة، حيث يقول في موضع منه: ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا ...﴾۱، ويقول في آية أخرى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾؛ فلا تعتقدوا أنّ جميع الناس الذين خُلقوا في هذه الدنيا من أهل الجنّة، لا، بل إنّ مصير العديد من الجنّ والإنس ومرجعهم هو جهنّم ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾٢، وهذا عجيب جدًّا! فالله تعالى يقول: لقد منحناهم قلوبًا، لكنّهم لا يُدركون بها، فهم يفتقرون إلى الفقه والفهم، حيث لا يُراد من القلب هنا القلب الصنوبريّ، بل يُراد منه القوّة الدرّاكة، والوجدان؛ فالقلب يعني قوّة التمييز بين الحقّ والباطل، ويعني محلّ الإدراكات وتلقيّ الأنوار الإلهيّة؛ فالله عزّ وجلّ وهبهم هذه القلوب، لكنّهم ﴿لا يَفْقَهُونَ بِها﴾، ومنحهم هذه الأعين، غير أنّهم ﴿لا يُبْصِرُونَ بِها﴾؛ والمراد من العين هنا ليست التي يُنظر بها، بل المراد منها التي تتمكّن من رؤية الواقع والحقيقة، والتمييز بين النور والظلام؛ فهؤلاء يفتقدون هذه العين. ﴿وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾؛ فالباري عزّ وجلّ منحهم آذانًا، لكنّهم لا يستمعون بها إلى صوت الحقّ والباطل، بل يضعون فيها القطن، حيث كان يقولون للناس: إذا أردتم الدخول إلى المسجد الحرام، ضعوا القطن في آذانكم، حتّى لا تسمعون صوت القرآن الذي يتلوه محمّد؛ ﴿لَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ فلم تكن آذان قلوبهم تسمح لآذانهم الظاهريّة بالاستماع. وتجدهم الآن يقولون: «أيّها السيّد إذا تحدّث فلان، فلا تُصغ إلى كلامه»؛ لكن، لماذا لا يُصغ إلى كلامه؟ اذهب واستمع إليه! ويقولون أيضًا: «لا تقرأ الكتاب الفلاني، وإلاّ ستسقط في الضلال»! اذهب واقرأه، وإلاّ إذا كنت مفتقرًا إلى الفهم والإدراك إلى هذه الدرجة، فلماذا تسلك طريق [الله تعالى]؟! ويقولون: «أيّها السيّد، لا تجالس فلانًا؛ لأنّه سيُغويك ويُضلّك»؛ لكن، إن كان لديك اطّلاع غير كاف على المسائل، فلماذا تُطلق على نفسك اسم المسلم والمؤمن؟! فهذا العصر أيّها السادة هو عين عصر ما قبل ألف وأربعمائة سنة؛ إذ متى ما طُرحت بيننا مسألة الحبّ والبغض، فإنّ تلك الملاكات والمسائل التي كانت سائدة قبل ألف وأربعمائة سنة هي بعينها التي تأتي، وتتجلّى الآن؛ فنجدهم يقولون: «لا تُصغ للكلام الفلانيّ، لا تستمع إلى الحديث الكذائيّ»؛ لكن، لماذا تُريدهم أن يُصغوا إلى حديثك، ولا يُصغوا إلى كلام الآخرين؟! اتركهم يستمعون إلى الإثنين، ويختارون ما يشاؤون؛ فإمّا ينتخبون هذا، أو ينتخبون ذاك؛ فهل أدركنا الآن أنّ الشيطان موجود على الدوام؟ فحتّى لو مرّت مليون وأربعمائة سنة أخرى، لبقي الشيطان على حاله، والملاكات على حالها؛ فالقرآن الكريم لم ينزل يا عزيزي لكي يحكي عن قصص ويسردها، بل جاء ليقول: يوجد ملاك وحيد حاكم على العالم؛ وهو ملاك الحقّ، وغيره كلّه باطل؛ ففي ذلك الزمان، كان على شكل عدم الاستماع إلى كتاب الله تعالى على لسان الرسول الأكرم، والآن هو على شكل عدم الإصغاء للمسائل المطروحة على لسان العظماء، من دون أن يوجد أيّ فارق؛ لماذا؟ لأنّ تلك الصفات والملكات كانت تتعارض آنذاك مع المصالح الدنيويّة والنفسانيّة لأبي سفيان وأبي جهل وأمثالهما، ممّا أدّى إلى عجز عقلهم العمليّ عن إزاحة تلك الحجب، فقاموا بمواجهة الرسول بتلك الطريقة؛ وأمّا الآن، فتقول الآية القرآنيّة الكريمة: إنّ تلك الملاكات موجودة بعينها بصورة أخرى وشكل مغاير؛ فالملاك واحد؛ لأنّ غرائز الإنسان لم تتبدّل.
- سورة الأنعام، الآية ٢٥.
- سورة الأعراف، الآية ۱۷٩.
