
تقييد تدخّل المرأة في الشؤون الاجتماعيّة
علل وأسباب
في هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإكمال حديثه عن الحقوق المتبادلة بين الرجل والمرأة، تحدّث سماحتُه عن مسألة تدخّل المرأة في الأمور الاجتماعيّة، من خلال استعراضه لدور عائشة في حرب الجمل، ثمّ أشار إلى خروج المرأة وسقوطها في خطر التبرّج، وعرّج سماحته بعد ذلك على بعض المقولات الواردة في نهج البلاغة عن المرأة؛ نظير: «وأمّا عائشَةُ فَقَدْ أدْرَكَها ضَعْفُ رأي النِساء»؛ وكذلك «وإنْ شِئْتَ أنْ لا يعْرِفْنَ غَيرَكَ فَافْعَلْ»، و«إنّ النِّسَاءَ نَوَاقِصُ العُقُولِ»؛ مشيرًا إلى أنّ مهمّة العالم تقتصر على بيان الحقائق الواردة في مثل هذه العبارات كما هي من دون التدخّل فيها تحقيقًا للمصلحة الشخصيّة، أو إرضاءً للغير.
تقييد تدخّل المرأة في الشؤون الاجتماعيّة
2أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمّد
وعلى آل بيته الطّاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
كان كلامنا وبحثنا يدور حول نحو العلاقة التي يجب أن تكون بين الأب والأبناء، وبالعكس؛ وكذلك بين الزوجة والزوج، وكيف ينبغي أن تكون طاعة المرأة لزوجها، وحول الحقوق التي يمتلكها الرجل على زوجته، وكذلك الحقوق التي للمرأة والزوجة على زوجها؛ كما تحدّثنا قليلاً أيضًا عن حقوق الرجل على أبنائه؛ لكن، بما أنّ مسألة العلاقة بين الزوجين وكيفيّة التعايش بينهما تتّسم بحساسيّة ودقّة خاصّة، فإنّه يتعيّن علينا التفصيل فيها أكثر؛ وإذا تمكّنا بحول الله تعالى وقوّته من تسليط الضوء على بعض الإبهامات التي تعتري هذه المسألة، فإنّ ذلك سيكون ـ باعتقادي ـ أمرًا مناسبًا وفي محلّه؛ فللأسف، توجد العديد من الآراء المطروحة في هذا المجال، لكن:
هر كسى از ظّن خود شد يار من *** واز درون من نجست اسرار من۱ تدخّل المرأة في الأمور الاجتماعيّة ودور عائشة في حرب الجمل
فمن خلال الرجوع للعبارات المنقولة في النصوص الدينيّة عن الأئمّة عليهم السلام، وحتّى في القرآن الكريم، قد يبدو هذا الموضوع بشكل مبهم ومجمل قليلاً، بل ومثير للشبهات إلى حدّ ما؛ ممّا يُفضي إلى إثارة مجموعة من التساؤلات، وتوقّع تقديم إجابات مناسبة لها، حيث إنّ معظم هذه الأسئلة ترتبط بالكلمات الواردة عن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة بخصوص دور المرأة في دائرة الأمور الاجتماعيّة، وقدرتها على الحكم وإبداء الرأي في الحوادث الواقعة؛ ولدينا عدّة موارد من كلام أمير المؤمنين في نهج البلاغة تحدّث فيها عليه السلام عن هذا الموضوع؛ ومن بينها ما حصل بعد واقعة الجمل حينما أثارت عائشة ـ بمساعدة طلحة والزبير ـ الأمّة الإسلاميّة للقيام ضدّ أمير المؤمنين، وحرّضت على محاربته وقتله عليه السلام بواسطة الرسائل التي وزّعتها هنا وهناك، متذرّعة فيها بأنّها زوجة رسول الله؛ أي أمّ جميع المؤمنين.
فأوّل فتنة في الإسلام بعد عودة الخلافة إلى محلّها الأصليّ واستقرارها في مكانها الحقيقيّ انطلقت من داخل بيت رسول الله؛ أي من زوجة رسول الله الذي يُعدّ أقرب إنسان إلى أمير المؤمنين عليه السلام؛ فأن تبدأ الفتنة ضدّ أمير المؤمنين من زوجة هكذا شخصيّة هي مسألة بالغة الأهمّية، ومكتنفة بالعديد من الأسرار، حيث بعثت برسائل إلى هنا وهناك؛ والمثير للانتباه أنّها كانت في معارضتها لعثمان من أعدى أعدائه، وذلك بسبب بعض المسائل الاقتصاديّة والمعيشيّة؛ لأنّ عثمان أنقص سهمها من بيت المال عن المقدار الذي حددّه له كلّ من عمر وأبي بكر؛ فصار بذلك كافرًا عندها؛ ويبدو أنّ التكفير والارتداد اللذين راجا هذه الأيّام كثيرًا كان في الماضي أيضًا! فكانت تقول: «اقْتُلُوا نَعثَلاً فَقَد كَفَر»؛ لماذا صار كافرًا؟ لأنّه أنقص من سهمها! فانظروا هنا كيف وضعتها هذه العبارات التي نطقت بها في مكانتها الحقيقيّة! فلأنّه أنقص من سهمها من بيت المال، فقد أصبح كافرًا! اقتلوا نعثلاً! فنعثل كان رجلاً يهوديًّا يعيش بالمدينة، ويعرج في مشيته؛ وبما أنّ خليفتنا الثالث نحن المسلمون وجماعة المسلمين كان يعرج، فإنّها شبّهته به من حيث المظهر و...؛ وعلى أيّ تقدير، فإنّ زوجة رسول الله ثارت ضدّ أمير المؤمنين الخليفة الذي نصبّه الله تعالى واختاره الناس، وذلك عن طريق إساءة الاستفادة من مكانتها، ومن عواطف الناس المنفصلة عن العقل، ومن الأحاسيس التي تُغطّي العقل، ومن المشاعر التي تُقيّم المسائل بالاعتماد على التخيّلات والتصوّرات؛ فقامت ضدّ أمير المؤمنين والخليفة الذي نصبّه الله تعالى، ونصّبه الناس.
- بيت شعريّ لمولانا جلال الدين الروميّ أعلى الله تعالى مقامه يقول فيه: خُيّل لكلّ واحد أنّه صار رفيقي وصاحبي، بَيدَ أنّ أحدًا لم يطّلع على سرّي ومكنون ضميري؛ ولعلّ البيت الشعريّ التالي يُوضّح مراد سماحته رضوان الله تعالى عليه: وكلٌّ يدّعي وصلاً بليلى *** وليلى لا تُقرّ لهم بذاكا، والله العالم. المعرّب
