
تقييد تدخّل المرأة في الشؤون الاجتماعيّة
علل وأسباب
في هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإكمال حديثه عن الحقوق المتبادلة بين الرجل والمرأة، تحدّث سماحتُه عن مسألة تدخّل المرأة في الأمور الاجتماعيّة، من خلال استعراضه لدور عائشة في حرب الجمل، ثمّ أشار إلى خروج المرأة وسقوطها في خطر التبرّج، وعرّج سماحته بعد ذلك على بعض المقولات الواردة في نهج البلاغة عن المرأة؛ نظير: «وأمّا عائشَةُ فَقَدْ أدْرَكَها ضَعْفُ رأي النِساء»؛ وكذلك «وإنْ شِئْتَ أنْ لا يعْرِفْنَ غَيرَكَ فَافْعَلْ»، و«إنّ النِّسَاءَ نَوَاقِصُ العُقُولِ»؛ مشيرًا إلى أنّ مهمّة العالم تقتصر على بيان الحقائق الواردة في مثل هذه العبارات كما هي من دون التدخّل فيها تحقيقًا للمصلحة الشخصيّة، أو إرضاءً للغير.
تقييد تدخّل المرأة في الشؤون الاجتماعيّة
17أذكر أنّه بعد ارتحال المرحوم العلاّمة رضوان الله تعالى عليه، كنت في مشهد، فجاءت إحدى جرائد خراسان، لكي أكتب لهم مقالة؛ لأنّ الجميع أحالوهم عليّ؛ لكن، حينما جاؤوا عندي، أحجمت عن ذلك بسبب بعض الاعتبارات، وبسبب نفس هذه المسائل [التي تحدّثنا عنها]؛ فاعتذرت منهم بأنّ وقتي لا يسمح، والفرصة لا تسنح لذلك؛ فقالوا لي: ولو مقالة مختصرة؛ فمهما امتنعت، لم يقبلوا؛ وبعد ذلك، أخذت تعهّدًا من ذلك الشخص أنّني سأكتب لهم مقالة، لكن بشرط ألاّ ينقصوا منها أو يزيدوا فيها كلمة واحدة؛ فقال لي: «حسن جدًّا، أنا أضمن لك ذلك»؛ وفي تلك المقالة، كتبت أنّ المرحوم العلاّمة رضوان الله تعالى عليه كان يقود الثورة في سنة ٤٢ ويُرشدها بمعيّة ورفقة قائد الثورة الإسلاميّة سماحة آية الله الخمينيّ؛ فذكرت فيها كلمة «برفقة»؛ وهذه بحدّ ذاتها لها حكاية مفصّلة؛ لكنّ الواقع كان بهذا النحو. وحينما طُبعت تلك المقالة، رأيت أنّهم لم يكتفوا بممارسة الرقابة عليها، بل حرّفوها، وكتبوا «بمتابعةٍ لقائد الثورة سماحة كذا»؛ وذكروا في ذلك الحين حتّى لفظ الإمام؛ فقاموا بهذا الفعل، لكن، أليس هذا حرام؟ لقد قدّمتم لي وعدًا، وأنا لم أكتب المقالة من نفسي، وحتّى أنّني أحجمت عن كتابتها، إلاّ أنّكم أصررتم عليّ، ولم تقبلوا بمغادرة المنزل، إلاّ بعد أن أسلّمكم إيّاها؛ ثمّ اشترطت عليكم ألاّ تحذفوا أو تزيدوا كلمة واحدة؛ وفي مقابل ذلك، لم تكتفوا باقتطاع العبارة، بل غيّرتموها؛ فهل هذا جائز؟ هل هذا ما يقوله الإسلام؟ لماذا ينبغي أن يكون الأمر بهذا النحو؟ إنّ هذه آفة أمسكت للأسف بخناقنا، بينما نحن اليوم في أمسّ الحاجة إلى الصراحة والشفافيّة، ويحتاج مجتمعنا المعاصر إلى الصدق؛ فعلينا أن نُبيّن الصافي والخالص الذي وصلنا من روّاد الدين والقادة إلى سُبُل السلام وأئمّة الهدى، وبَلَغنا من المصادر والأدلّة، من دون أن نزيد أو ننقص من أنفسنا أيّ شيء؛ وإلاّ، فما هي النتيجة؟ النتيجة هي هذه الخلافات والنزاعات والتناقضات التي نُشاهدها.. قال: «از ماست كه بر ماست».
فعلينا أن نقول بكلّ صراحة: «أيّها السيّد! هذا ما ذكره الإمام عليه السلام، وهذه هي المسألة التي بيّنها، ولا دخل لي بالأمور الأخرى»؛ فطبقًا للآية القرآنيّة الصريحة، إرث المرأة نصف إرث الرجل؛ لكنّك تجدنا نأتي، ونُفتي بأنّهما متساويان في الإرث، حتّى لا يقدحوا فينا، ومراعاةً لدول العالم وحقوق الإنسان [على حدّ زعمهم]، ولأجل نيل بعض الترحيبات، ولكيلا يُقال إنّ الإسلام بهذا النحو أو بذلك النحو؛ حسنًا، إنّنا سنكون بذلك قد خالفنا تلك الآية القرآنيّة الصريحة؛ كما أنّ دية المرأة نصف دية الرجل.. لماذا؟ الله أعلم، وما دخلي أنا بذلك؟ وما علاقتي به؟ وإن كنت لا ترضى بهذا الأمر، فذلك شأنك! أوهل يوجد من أجبرك على القبول؟ فلو تقرّر أن يكون الدين ... فنحن لا نستطيع أن نضع الآية القرآنيّة ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ جانبًا، أو أن يُقال: «إنّ هذه الآية تختصّ بذلك الزمان، وعلينا أن نعمل من هذا الزمان فصاعدًا على تغيير الآيات، وعلينا أن نُبدّل القراءات والتفسيرات، فقد صار العصر بهذا النحو»! ما هذا الكلام أيّها السادة؟! هل تُريدون منّا أن تأتي ثلّة من شاربي الخمر وعديمي الفهم واللاأباليّين من أقصى العالم، فنتخلّى عن مبادئنا ومصادرنا المُحكمة من أجل إرضائهم؟ فما هي نتيجة ذلك؟ نتيجته: خسِر الدنيا والآخرة؛ فآخرتنا [بسبب هذه الأعمال] معلومة، ودنيانا هي كما ترون، بل وسترون أكثر من ذلك؛ كلّ ذلك لأجل ماذا؟ يا عزيزي، اعرض حكم الإسلام وحكم الله تعالى، وبيّن ما قاله الرسول، وحسب؛ ومن شاء أن يُعجبه ذلك، فبها ونعمة، ومن شاء ألاّ يُعجبه، فذلك شأنه!
