
تقييد تدخّل المرأة في الشؤون الاجتماعيّة
علل وأسباب
في هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإكمال حديثه عن الحقوق المتبادلة بين الرجل والمرأة، تحدّث سماحتُه عن مسألة تدخّل المرأة في الأمور الاجتماعيّة، من خلال استعراضه لدور عائشة في حرب الجمل، ثمّ أشار إلى خروج المرأة وسقوطها في خطر التبرّج، وعرّج سماحته بعد ذلك على بعض المقولات الواردة في نهج البلاغة عن المرأة؛ نظير: «وأمّا عائشَةُ فَقَدْ أدْرَكَها ضَعْفُ رأي النِساء»؛ وكذلك «وإنْ شِئْتَ أنْ لا يعْرِفْنَ غَيرَكَ فَافْعَلْ»، و«إنّ النِّسَاءَ نَوَاقِصُ العُقُولِ»؛ مشيرًا إلى أنّ مهمّة العالم تقتصر على بيان الحقائق الواردة في مثل هذه العبارات كما هي من دون التدخّل فيها تحقيقًا للمصلحة الشخصيّة، أو إرضاءً للغير.
تقييد تدخّل المرأة في الشؤون الاجتماعيّة
13لكن، ما هو دليلهم على هذا القول؟ دليلهم هو الآية التالية التي يتّخذونها قرينةً بالباطل على كون المراد من العقل في عبارة «النِّسَاءَ نَوَاقِصُ العُقُولِ» قوّة الذاكرة: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ﴾؛ ففي باب القضاء والمحاكمات، تقول الآية بلزوم الإتيان بشاهدين من الرجال ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ﴾؛ فإذا لم تجدوا رجلين ﴿فَرَجُلٌ وامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾؛ أي أنّ امرأتين تُعادلان رجلاً واحدًا؛ وهذه ليست رواية بل آية قرآنيّة؛ ثمّ يقول الله تعالى بعد ذلك: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى﴾؛ أي: لماذا قلنا إنّ امرأتين تُعادلان رجلاً واحدًا؟ لأنّ امرأة واحدة قد تسقط في الضلالة، فتأتي الأخرى، وتُذكّرها؛ كأن تقول لها: «لا، هكذا تمّت المسألة، وحينما كنّا نشاهد هذه القضيّة، تكلّم معه ذاك بهذا النحو ...»، فتنبّهها، وتُذكّرها، حتّى تشهد بالحقّ، ولا تُخطيء. وفي هذه الحالة، يأتي ذلك السيّد، ويقول: إنّ معنى أن تضلّ: أن تنسى؛ أي إذا نسيت إحداهما، فإنّ الأخرى تُذكّرها! حسنًا، أفهل كان الله تعالى أخرسًا [والعياذ بالله] حتّى يعجز عن القول: أن تنسى إحداهما فتُذكّر ...؟! وهل يوجد موضع في القرآن جاءت فيه الضلالة بمعنى النسيان؟ هذا مع أنّه لدينا آيات كثيرة في الكتاب العزيز [وردت فيها هذه الكلمة] ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ويُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾؛ فهل تعني هنا: يشترون النسيان؟ على الإنسان أن يكون جاهلاً بالله تعالى إلى هذه الدرجة [حتّى يتفوّه بمثل هذا الكلام]! وعلاوةً على ذلك، فإنّه لدينا آية قرآنيّة جاءت فيها الضلالة في مقابل النسيان: ﴿قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى﴾، حيث يقول فرعون لنبيّ الله موسى: ما هي مسؤوليّة الناس الذين عاشوا في القرون الأولى تجاه مسألة الهداية؟ ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسى﴾؛ فالضلالة أتت هنا في مقابل النسيان؛ وحينئذ، نجد ذلك السيّد يُفسّر الضلالة بمعنى النسيان، ويقول: إذا نست إحداهما، فإنّ الأخرى ستُذكّرها! أوّلاً، ليس من المؤكّد أن تكون ذاكرة المرأة أضعف من الرجل؛ وثانيًا، لماذا تُعملون التحريف في هذه العبارة؟ أنّى يدلّ لفظ الضلالة على معنى النسيان؟ «تضلّ» من الضلالة بمعنى الزيغ؛ فإذا ضلّت إحدى النساء في مقام أداء الشهادة بسبب بعض الأمور كسيطرة العواطف، وعدم الفهم الصحيح للحادثة ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى﴾، فإنّ الأخرى تأتي وتُذكّرها؛ وهذا هو المعنى الصائب [للآية]؛ لكنّك تجدنا نعمد إلى الكلام الصريح لأمير المؤمنين، ونسعى من خلال التفسيرات السخيفة والكاذبة والباطلة لإبرازه بشكل مسوّغ، حتّى يُعجَب بنا حفنة من الناس.. عساهم ألاّ يُعجبوا بنا لمائة سنة! ومن قال: عليهم أن يُعجبوا بنا؟! فإذا قال أمير المؤمنين: نواقص العقول، فلماذا تسعون لطرق هذا الباب وذاك؟ لماذا تتوسّلون بالكذب؟ لماذا تُحرّفون هذه الآية القرآنيّة؟ ولأجل من؟
