
الحقوق المتبادلة بين الوالدين والأبناء
في هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لتتمّة شرح الفقرة «حقيقةُ العبودية عبارةٌ عن ثلاثة أشياء: ...» من حديث عنوان البصريّ الشريف، تحدّث سماحتُه بدايةً عن وظيفة الدولة تجاه المجتمع، ذاكرًا في ضمن ذلك نموذجًا عن أحد الشخصيّات السياسيّة الأبيّة، ليُعرّج من هناك على الموضوع الأساسيّ للمحاضرة؛ أي الحقوق المتبادلة بين الوالدين والأبناء، حيث شرع بالحديث عن وظيفة الأب تجاه الأسرة؛ والتي إذا أدّاها يكون قد قام بأكبر جهاد، ثمّ بيّن الآثار السلبيّة للتقصير في أداء هذه المهمّة، وتكلّم أيضًا عن أسلوب التعامل مع الزوجة، ليختم البحث في الأخير بالخوض في وظيفة الأبناء تجاه الوالدين.
الحقوق المتبادلة بين الوالدين والأبناء
5أهمّ وظيفة للأب ضمان الرقيّ الروحيّ للأسرة
ويصدق الأمر ذاته على وظيفة الوالدين، لا سيّما وظيفة الأب في المحيط الداخليّ والعائليّ للمنزل؛ إذ لا تقتصر هذه الوظيفة تجاه أهل البيت على توفير الخبز والماء، ولا على إحضار الطبيب والعلاج والشفاء من الأمراض وأمثال ذلك فقط؛ فهذه الأمور باستطاعة شخص آخر القيام بها؛ كأن يأتي خادم إلى المنزل ويتحمّل هذه المسؤوليّة، لكنّ وظيفة الأب تكمن في ضمان الرقيّ الروحيّ، وتفعيل الاستعدادات التي خلق الله تعالى هذا البدن لكي يُحقّقها؛ فهذه المهمّة مهمّة من؟ إنّها مهمّة الأب؛ فمن وظيفته تحقيق هذه المسألة، وأن يُوفّر لزوجته وأبنائه كلّ ما يُؤدّي إلى صلاحهم، وأن يُبعد عن محيط حياتهم كلّ ما يُفضي لفسادهم وإفسادهم، ولو كان مطلوبًا ومرغوبًا من قبلهم؛ إذ كما أنّ الله كلّف الأب بتوفير سبل العيش وإصلاح الشؤون الظاهريّة للأسرة، فإنّه تعالى كلّفه ـ بدرجات أعلى ـ بضمان رقيّهم وكمالهم الدينيّ، حيث إنّ الروايات الواردة في هذا المجال كثيرة إلى ما شاء الله، فنجدها تتحدّث عن نوع التربية الذي ينبغي تلقينه للولد منذ ولادته، وعن ضرورة إبعاده عن البيئة الفاسدة، وألاّ يُدخل للغرفة التي تُرتكب فيها الغيبة، وألاّ يكون في معرض سماع الموسيقى؛ لأنّها تترك تأثيرًا سيّئًا على نفسه.
فمن الممكن أنّ هذه المسائل كانت تواجه سابقًا بالسخريّة والاستهزاء، لكنّهم التفتوا في هذا العصر إلى أنّ الأطفال يتوفّرون في الشهور الأولى للولادة وفي نفس أيّام الرضاعة على أفضل استعداد لتلقّي المسائل؛ فهل هذا أيضًا كذب؟ فتجدهم [أي الأولياء] يُحذّروننا، لكنّنا لا نُصغي إليهم، ونقول: «ما هذا الكلام يا سيّدي؟ فالطفل لا يفهم شيئًا! ولا يفقه أيّ شيء!»، من قال إنّه لا يفهم شيئًا، بل إنّه يفهم جيّدًا جدًّا، وهذه الأمور بأجمعها تترك تأثيرها فيه؛ ولهذا، عليكم أن تُحضروا طفلكم إلى الغرفة التي تقرؤون فيها القرآن، ليسمع تلاوته هناك، كما أنّه يُستحبّ اصطحاب الأطفال إلى مجالس عزاء سيّد الشهداء.
وحينئذ، متى ستنفع هذه الأمور؟ فحينما يكون الطفل في مرحلة الطفولة، فإنّه لا يظهر عليه أيّ شيء؛ لكن، عندما يكبر، تجده ذهب في هذا الاتّجاه، أو ذاك؛ فما هو السبب في ذلك؟ فحينما تمرّ السنوات، ترى هذا يختار الطريق الفلانيّ، والآخر يختار طريقًا مغايرًا؛ أجل، أنا لا أقول أنّ ذلك هو تمام العلّة، لكنّه جزء العلّة على حدّ قول المرحوم العلاّمة؛ فالمسألة هي بهذا النحو! لماذا؟ لأنّ الآثار التي انطبعت في ذلك الوقت في نفس هذا الطفل بواسطة تلك الأفعال والتصرّفات لا تبقى ساكنة، بل تبدأ في الحركة والتأثير، إلى أن نلتفت شيئًا فشيئًا حینما یکبر إلى أنّ مسار حركته ينساق نحو اتّجاه معيّن، وأنّه يذهب في اتّجاه خاصّ.
