
الحقوق المتبادلة بين الوالدين والأبناء
في هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لتتمّة شرح الفقرة «حقيقةُ العبودية عبارةٌ عن ثلاثة أشياء: ...» من حديث عنوان البصريّ الشريف، تحدّث سماحتُه بدايةً عن وظيفة الدولة تجاه المجتمع، ذاكرًا في ضمن ذلك نموذجًا عن أحد الشخصيّات السياسيّة الأبيّة، ليُعرّج من هناك على الموضوع الأساسيّ للمحاضرة؛ أي الحقوق المتبادلة بين الوالدين والأبناء، حيث شرع بالحديث عن وظيفة الأب تجاه الأسرة؛ والتي إذا أدّاها يكون قد قام بأكبر جهاد، ثمّ بيّن الآثار السلبيّة للتقصير في أداء هذه المهمّة، وتكلّم أيضًا عن أسلوب التعامل مع الزوجة، ليختم البحث في الأخير بالخوض في وظيفة الأبناء تجاه الوالدين.
الحقوق المتبادلة بين الوالدين والأبناء
4وبحقّ، فإنّ الشعور بالفاقة إلى المدرّس وأمثاله ملموس جدًّا، والحاجة الأكيدة إلى هؤلاء واضحة وجليّة جدًّا؛ وقد طبعوا صورته في العملة الورقيّة ذات العشرة تومانات، وأظنّها لازالت موجودة الآن؛ فحينما نظر المرحوم العلاّمة إلى هذه الصورة، قال: «هل تعلم يا فلان ما الذي تعنيه هذه الصورة؟ تعني الإباء والثبات على الحرّية»؛ وفي المقابل، ما الذي حصل لصورة رضا شاه، وأمثاله؟ ما الذي وقع لهم؟ لقد رحلوا بأجمعهم، واندثروا كلّهم، حيث جاءت عاصفة، وقضت على سلالتهم، وذهبت بها أدراج الرياح، بحيث كانوا ينتقلون من بلد إلى آخر طلبًا للجوء؛ هل هذا واضح؟ لكن، ماذا عن المدرّس؟ لقد كان حرًّا، ولم يتمكّن أحد من خداعه، والاحتيال عليه بالدراهم والدنانير؛ فقد بعث إليه ذلك الشاه بعينه ورؤساء الوزارة قبله بأكياس الذهب لمرّات عديدة، لكنّه كان يردّها، ويقول بلهجته الأصفهانيّة: «أنتم تعلمون أنّ طعامي يقتصر على الخبز واللبن الرائب، ولباسي مجرّدُ عباءة أرتديها؛ وبالتالي، في ماذا ستنفعني هذه الأكياس من الذهب؟ اذهبوا، وأعطوها للذين ...»؛ وحتّى حينما نفوه إلى كاشمير، فإنّه كان يزرع بنفسه الباذنجان، والقرع، والخضروات، وأمثال ذلك في المنزل الذي كان يمتلكه، ولم يكن يأتي بها من الخارج، بل كان يزرعها لوحده ذلك المسكين؛ وهكذا، إلى أن نال الشهادة؛ وهذا دليل على ماذا؟ دليل على أنّ الظلم يفنى، وأنّ الحكومة الظالمة تندثر؛ فلا ينبغي علينا القول: «لماذا طال الأمر إلى هذا الحدّ؟»؛ أ فلم يستمرّ حكم رضا شاه ومحمد رضا شاه طيلة خمسين عامًا؟ لكن، ماذا حصل في الأخير؟ لقد سقط ذلك الحكم في الأخير، ولم يبق منه في الأذهان سوى السمعة السيّئة؛ فلم تظلّ هناك أيّة ذكرى عن تلك الحكومات، سوى الظلم والجور والانحلال. وأمّا المدرّس، فلأنّه كان رجلاً حرًّا، فإنّ ذكراه واسمه [يُعادان] مرّة أخرى؛ وقد بنوا على قبره الآن ضريحًا، حيث توفّقنا ولله الحمد لزيارة هذا الضريح قبل مدّة قصيرة؛ وهذا دليل على ماذا؟ دليل على بقاء الطريق الحيّ الذي سلكه هذا الرجل وأمثاله طيلة أعمارهم.
وهذا أقلّ شيء يطلبه أفراد الشعب من دولتهم، غاية الأمر أنّ ذلك يُمثّل عشرة بالمائة من المسألة، بينما تختصّ تسعين بالمائة منها بتوفير الأمن الروحيّ والرقيّ النفسيّ لأفراد المجتمع؛ لكن، أين يُمكن العثور على ذلك؟ فوظيفة الحكومة الإسلاميّة تتمثّل في ضمان أمن الحياة الروحيّة، ورقيّ النفس، وبلوغ الكمال لكلّ فرد، بشرط أن يكون راغبًا في ذلك، وأمّا الذي لا يُريده، فإنّها لا تُجبره عليه؛ وهذا هو معنى العدل الاجتماعيّ، بحيث لا يقتصر هذا العدل على الشكل الظاهريّ فقط.
