
هل العارف لا يهتمّ بالمسائل الاجتماعيّة؟
ما هو الأساس الذي تتمحور حوله أحكام الإسلام والمعارف الإلهيّة؟ ما هو المدى الذي تبلغه نظرة العارف؟ متى تتحوّل خدمة المجتمع إلى فخّ؟ كيف ينبغي على الإنسان أن يُؤدّي أعماله؟ هل يُؤثّر التقصير في التكاليف العائليّة على سلوك الإنسان؟ ما هي حقيقة السلوك؟ هي تساؤلات سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لتكملة شرحه لحديث عنوان البصريّ.
هل العارف لا يهتمّ بالمسائل الاجتماعيّة؟
9افرضوا أنّ إمام الزمان عليه السلام قال لأحدنا: «عليك القيام بهذا العمل، غير أنّك إذا قمت به، فلن أهبك أيّ شيء، لا سعادة الدنيا، ولا الآخرة، ولن أمنحك أيّ أجر عليه، لكنّ هذا العمل الذي ستقوم به يحظى برضانا»، فهل سنقوم به في هذه الحالة؟ لن نقوم به؛ فنحن نرغب في القيام بالفعل، حتّى نصل إلى نتيجة معيّنة! هذا، مع أنّنا لا نقول هنا إنّنا نريد من إمام الزمان أن يمنحنا الدنيا، بل إنّنا نتغاضى عن هذا الأمر؛ لكن، كحدّ أقلّ، فإنّنا نريد الآخرة، ونرغب في الجنّة، ومرافقة الأئمّة، ومصاحبة العظماء، ومخالطتهم؛ ولنفكّر بشكل جيّد؛ فلو جاء الإمام عليه السلام، وقال لنا: «إذا قمتم بالعمل الفلاني، فلن يكون ثوابه هو مرافقتي هناك، لكنّه سيحوز على رضاي»، فإنّنا لن نقوم به، بينما كان المرحوم العلاّمة سيقوم به؛ ولهذا، فإنّنا نقول إنّه لا يُمكننا أبدًا تصوّر المرتبة من الإيثار والفداء التي ينبغي على الإنسان الوصول إليها، حتّى يتسنّى له القول بهذا الأمر؛ فلا يُمكن لأحد تصوّر ذلك.
وكنت أريد القول هنا: حينما تقرّر أن يذهب [المرحوم العلاّمة] إلى مشهد، جاء العديد من الناس للاعتراض عليه، وقالوا له: «يا سيّدي، لقد بذلت كلّ هذه المشقّة في سبيل المسجد، وقمت لأجله بكافّة تلك الأعمال، فتمكّن هذا المسجد للتوّ من الرقيّ والازدهار»، حيث يعلم الرفقاء القدماء بأنّ أوضاع المسجد كانت في السابق بنحو مغاير؛ وقد كان [المرحوم العلاّمة] يتدخّل حتّى في الشؤون المتعلّقة ببناء المسجد، ويُبدي رأيه ويُقدّم خططه بشأنها، وكم كان يُدقّق في المسائل ذات الصلة بنظافة المسجد، فكان ينزعج من وجود شيء من القمامة في زاوية منه، ويُنادي على الخادم: «لماذا لم ترفع هذه القمامة أيّها السيّد؟ لماذا هذا المكان متّسخ؟»، ويقول له: «لقد ذهبت لكي أتوضّأ، فوجدت بأنّ المكان الكذائي من محلّ الوضوء متّسخ»، فيؤنّبه، ويوبّخه، ويُحاسبه.
لكن، حينما تقرّر أن يرحل إلى مشهد، تخلّى عنه دفعة واحدة؛ وكأنّه لم يكن هناك أيّ مسجد باسم مسجد القائم من الأساس؛ فكان يأتي عنده الأقرباء والمشايخ والأناس العاديّون والغرباء، ويقولون له: «يا سيّدي، هلاّ تركت هنا أحد أبنائك كحدّ أقلّ، فقد بذلت جهدًا كبيرًا يا سيّدي، ومن هذا الذي يُقدم على هكذا فعل؟ يا سيّدي، كذا وكذا ...».
