
هل العارف لا يهتمّ بالمسائل الاجتماعيّة؟
ما هو الأساس الذي تتمحور حوله أحكام الإسلام والمعارف الإلهيّة؟ ما هو المدى الذي تبلغه نظرة العارف؟ متى تتحوّل خدمة المجتمع إلى فخّ؟ كيف ينبغي على الإنسان أن يُؤدّي أعماله؟ هل يُؤثّر التقصير في التكاليف العائليّة على سلوك الإنسان؟ ما هي حقيقة السلوك؟ هي تساؤلات سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لتكملة شرحه لحديث عنوان البصريّ.
هل العارف لا يهتمّ بالمسائل الاجتماعيّة؟
10خدمة المجتمع تتحوّل إلى فخّ عند الغفلة عن الهدف الأساس
ذات يوم، قال لي، ولا أعلم هل اختصّني بهذا القول أم أنّ بقيّة إخواني كانوا حاضرين أيضًا: «يا عزيزي، أو يا أبنائي، حينما أتيت إلى طهران، فإنّ وجودي فيها لم يكن برغبتي واختياري، ولو لساعة واحدة، فلا تدعوا هذا المسجد وهذا المحراب وكافّة هذه الأمور تخدعكم! ولا تسمحوا لها بإخراجكم عن طريقكم! ولا تجعلوها تُعلّقكم وتربطكم بها! ولا تدعوها تغلّ أقدامكم!»؛ فجميع هذه الأمور عبارة عن أفخاخ؛ لأنّه إذا تحقّقت في الطريق الصحيح والمسار الصحيح ـ أي عدم التعلّق بالمسائل الدنيويّة ـ لكن من دون الالتفات إلى ذلك الهدف الأساس، فإنّها تتحوّل إلى أفخاخ وشباك؛ هذا، مع أنّ حديثي هنا لا يختصّ بالمسجد، بل بكافّة الأمور «تو خود حديث مفصل بخوان از اين مُجمل»۱؛ ففي كلّ شيء، إذا أراد الإنسان [أن ينحرف] بمقدار ذرّة ... فحينما يرجع الإنسان إلى نفسه، يستطيع بمقدار معيّن [أن يطّلع على نيّته]؛ فلا يُمكننا القول إنّنا لا نستطيع ذلك، بل كلّ واحد منّا يستطيع، وأنا بدوري أستطيع ذلك؛ ففي بعض الأحيان، يبعث إليّ الأصدقاء برسائل يسألوني فيها: يا سيّدي، كيف نعرف هل نحن مخلصون أم لا؟ وكيف نكتشف بأنّنا عملنا في المسألة الكذائيّة مثلاً لأجل الله تعالى أم لا؟ لا، نحن بأجمعنا نعلم، لكن بشرط أن نخلص في ذلك؛ فحينما أرجع إلى نفسي، عليّ أن أرى هل إذا قيل لي فجأة: أيّها السيّد تنحّ جانبًا، فلا نريد منك بعدُ أن تعقد هذا المجلس، تفضّل، واسترح في بيتك قليلاً، ودع هؤلاء السادة يرتاحون بدورهم قليلاً، حتّى لا يُعانوا بعد ذلك من المتاعب، حيث نجدهم يأتون من هذه الناحية ومن تلك، ويجيؤون من المدن الأخرى معتقدين بوجود مسائل مفيدة هنا! لا، قم من هنا، وغادر هذا المكان! فإن قيل لي: «أيّها السيّد تنحّ جانبًا»، ولم يُحرّك فيّ ذلك ساكنًا، ... ؛ وأمّا إذا رأيت خلاف ذلك، ...؛ فإلى ماذا سيؤول إليه الأمر في الأخير؟ فقد بذلنا كلّ تلك الجهود، وأوقعنا الناس في المشاكل والمتاعب لسنوات مديدة، فإلى ماذا ستصير هذه المسألة؟ ما شأنك أنت بمصير الأمور؟ وما هو دخلك بذلك؟ أ فهل أنت وصيّ على الدين؟ أ فهل أنت صاحب الدين والقيّم عليه؟ ومن الذي منحك هذه السلطة؟ فليس فقط تنحيتُك جانبًا لا تأثير لها، بل تعال، ومُت هذا اليوم، ثمّ انظر هل سيؤثّر ذلك في الأمور أم لا؛ لا يا عزيزي، فالدين له صاحب، وصاحبه حيّ، وهو حيّ منذ ألف ومائتي سنة؛ ولن يحصل له أيّ شيء، وأنا أضمن لك ذلك!
- امثال وحكم، ص ٥٦۱. مثل فارسيّ تعريبه: واقرأ بنفسك تفصيل الكلام من هذا المجمل؛ والمراد منه: وقس على ذلك بقيّة الأمور. المترجم
