
هل العارف لا يهتمّ بالمسائل الاجتماعيّة؟
ما هو الأساس الذي تتمحور حوله أحكام الإسلام والمعارف الإلهيّة؟ ما هو المدى الذي تبلغه نظرة العارف؟ متى تتحوّل خدمة المجتمع إلى فخّ؟ كيف ينبغي على الإنسان أن يُؤدّي أعماله؟ هل يُؤثّر التقصير في التكاليف العائليّة على سلوك الإنسان؟ ما هي حقيقة السلوك؟ هي تساؤلات سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لتكملة شرحه لحديث عنوان البصريّ.
هل العارف لا يهتمّ بالمسائل الاجتماعيّة؟
7فهذه المسألة لا تدخل في باب الهزل، بل إنّ هذا هو العرفان؛ فمن الذي قال إنّ العارف اختار العزلة؟! ومن الذي قال إنّ العرفاء يقتصرون على الاهتمام بشؤونهم الشخصيّة، ولا شأن لهم بأيّ إنسان آخر؟! ومن الذي قال إنّهم لا يهتمّون بالمسائل الاجتماعيّة؟! فما هذه الترّهات؟! فهل تجدون من بين المدّعين لنشر الدين وتبليغ مدرسة الرسول أحدًا ما إن رجع من المستشفى إلى البيت، حتّى حمل كتابه، وشرع في التأليف، هو راقد في السرير؟ دلّوني على هكذا شخص! فما هو سبب ذلك؟ سبب ذلك أنّ ما يراه ويُدركه هو يفوق تصوّراتنا وتخيّلاتنا؛ فنحن لسنا بهذا النحو، فلماذا نكذب على أنفسنا؟ لماذا؟ فإذا كانت أحوالنا سيّئة، فإنّنا سنقول: إنّ أحوالنا غير مناسبة، فلا رغبة لنا بذلك؛ لأنّنا الآن نشعر بالتعب، وكذا، وكذا؛ ومتى ما تحسّن مزاجنا، وتحسّنت أحوالنا، فإنّنا نحمل القلم، ونبدأ على بركة الله في الكتابة قليلاً، ثمّ نكتب سطرين، ونقول: «لقد تعبنا! فلنتوقّف الآن، ونرجع بعد ساعتين»؛ وأمّا أولئك العظماء، فإنّهم يشعرون في كيانهم بعين ذلك الاهتمام وتلك الهمّة اللذين كان يحسّ بهما عظماء الدين وزعمائه، بخلافنا نحن، فإنّنا لا نشعر بذلك، حتّى نقترب بأنفسنا من هذه المسألة، وتتجلّى هذه الحقيقة والنورانيّة عليها.
وتحضرني الآن مسألةٌ أرى من المؤسف ألاّ أحكيها للرفقاء؛ فقد اطّلعت عليها بعد وفاة [المرحوم العلاّمة]، وهي من أسراره الخاصّة، ولا إشكال في إفشائها الآن، حيث اكتشفت ذات يوم عن طريق إحدى القضايا والجهات أنّه ذكرها لأحدهم بشكل خاصّ وسرّي، فقال له: «حينما أكون مختليًا بالله تعالى أناجيه، فإنّني أشعر في سويداء قلبي بأنّني أريد منه تعالى ومن إمام الزمان ـ إذا كان ذلك ممكنًا ـ ألاّ تمنحني يا إلهي ذلك المقام الرفيع، وذلك الفناء والبقاء، وكلّ ما تحدّث عنه العظماء والعرفاء، وعوضًا عن ذلك، تُؤيّد دينك الذي أرسلته للناس؛ ومرادي من ذلك ما أنا في صدد بيانه، وطرحه في كتبي وكلماتي»؛ وأمّا نحن، فما الذي كنّا سنقوم به تجاه هذه المسائل؟ فلو قيل لكم الآن: «يا أيّها السيّد، لا توجد أيّة فائدة في مجيئكم إلى هنا»، فلن يوجد أيّ داع لمجيئنا؛ وحينئذ، لماذا سنقوم من مكاننا، ونأتي؟ ولو قيل لي: «يا أيّها السيّد، لا توجد أيّة فائدة متوخّاة من الكلام الذي تتفوّه به، ولن يُسجّله الله تعالى في ملفّك»، فإنّني سأقول: «أنا جالس في بيتي، فما الداعي لكي أقوم من مكاني، وآتي [إلى هنا]؟!».
