
هل العارف لا يهتمّ بالمسائل الاجتماعيّة؟
ما هو الأساس الذي تتمحور حوله أحكام الإسلام والمعارف الإلهيّة؟ ما هو المدى الذي تبلغه نظرة العارف؟ متى تتحوّل خدمة المجتمع إلى فخّ؟ كيف ينبغي على الإنسان أن يُؤدّي أعماله؟ هل يُؤثّر التقصير في التكاليف العائليّة على سلوك الإنسان؟ ما هي حقيقة السلوك؟ هي تساؤلات سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لتكملة شرحه لحديث عنوان البصريّ.
هل العارف لا يهتمّ بالمسائل الاجتماعيّة؟
6وعندما كان يحلّ الليل، كان يذهب إلى المسجد، وكان معظم سكّان الأحياء المحيطة بمسجد القائم في شارع "سعدي" ينتمون إلى الأقلّيات الدينيّة؛ فكان روّاد المسجد من التجّار وأمثالهم، حيث كان هؤلاء أحيانًا يقولون عند حلول وقت صلاة الظهر: «على الأرجح أنّه لا يزال هناك مشترون»، فإلى أن يأتي المشتري، ويقضون له حاجته، يلزم أن يأخذ الأمر مقدارًا من الزمان؛ وحتّى إذا أرادوا أن يصرفوا النظر عن ذلك، فإنّهم سيخسرون ذلك المشتري. وفي جميع التقادير، إلى أن يأتي هؤلاء إلى المسجد، تكون قد مضت عشرين دقيقة أو نصف ساعة تقريبًا؛ وحينما كان يصِلون إلى المسجد، كانت صلاة المغرب قد أقيمت؛ فكانوا يقولون: «يا سيّدي، اصبر قليلاً إلى أن يصل المؤمنون ـ وكنت أسمع البعض ينطق الهمزة عينًا فيقول "المعمنون" بدلاً عن "المؤمنون"!!! ـ،۱ ويصل المريدون، فتُقام الصلاة بحالة من العظمة والأبّهة»؛ لكنّه كان يقول: «الصلاة في أوّل الوقت مستحبّة، فكل من أراد المجئ، فليأت، وكلّ من لم يُرد ذلك، فهو حرّ»؛ وهنا يتّضح أنّه حينما كان يقول: «لم يكن لديّ أيّ تعلّق بهذا المسجد، ولو بمقدار ذرّة واحدة»، فإنّه كان صادقًا في كلامه؛ هذا، مع أنّه في الوقت ذاته كانت تصرّفاته وأعماله هي بنحو ـ وكما أشرت إلى ذلك آنفًا ـ بحيث إذا نظر أحد إلى ذلك الاهتمام، وتلك الدقّة، وتلك المتابعة، وذلك التدبير وإدارة الأمور المرتبطة بالمنبر والناس، ورأى تلك الحميميّة وذلك الكلام الذي كان يخصّ به الأفراد واحدًا واحدًا، فإنّه سيقول: «إنّ هذا السيّد يُريد توريث هذا المسجد لذريّته من بعده، ويترك موطأ قدم للأشخاص الذين سيأتون بعد ستّة أجيال من بعده!»؛ وانتبهوا، فإنّ هذه المسائل مهمّة جدًّا!
نظرة العارف الإلهيّة تمتدّ إلى أقصى نقاط العالم
لكن، بعد ذلك، التفت إلى أنّه صار ملزمًا بالرحيل إلى مشهد، حيث كان ذلك بدوره امتثالاً لأوامر أستاذه؛ وهي مسألة لم يطّلع عليها أيّ أحد؛ فقال له: «إنّ بقاءك في طهران لم تعُد فيه أيّة مصلحة، وعليك الذهاب إلى مشهد، والانهماك في تأليف هذه الكتب للأجيال التي ستأتي بعدك»؛ فمن قال له ذلك؟ إنّه رجل لا يهتمّ [على حدّ زعمكم] بالمجتمع! فيا أيّها السادة، لنفتح أعيننا جيّدًا، لكي نرى ما هو المدى الذي بلغته مدرسة العرفان، ومَن هم الأفراد الذين تهتمّ بهم؛ فهو [أي السيّد الحدّاد] لم يكن يهتمّ بأنّ هذا الشخص قد جاء عنده، فصار كاملاً، وبلغ مرتبة الفناء، وحصل له البقاء، لا! بل إنّ تلك النظرة الإلهيّة التي يمتلكها وليّ الله تمتدّ إلى يوم القيامة، وليس فقط إلى متر واحد أبعد من موضع قدميه.. إنّ تلك الرؤية الإلهيّة التي يتوفّر عليها العارف تمتدّ إلى أقصى نقاط العالم، فتصل إلى منزل تلك العجوز المسيحيّة التي تعيش في المكان الفلانيّ من أمريكا، أو أوربا، أو إفريقيا، أو الجزر البعيدة، أو المحيط الهاديء؛ وانتبهوا، فإنّ المسائل التي أعرضها على مسامعكم ليست مجرّد ألفاظ جوفاء! فالمرحوم العلاّمة قال لي: «يا فلان، لقد بسطنا مائدة لنجمع عليها جميع الناس من كافّة الأمم والشعوب»؛ فهذه العبارة عبارته هو، وهو لم يكن يُغالي في كلامه، حيث قال: «جمعنا عليها جميع الأمم والشعوب، فلا تظنّ بأنّ هذه الكتب ألّفتها لهذه الثلّة القليلة من الأصدقاء والرفقاء فقط، بل صنّفتها أيضًا لتلك العجوز المسيحيّة القاطنة بأقصى نقاط العالم، والتي سيبلغها كتابي هذا، ويقلب كيانها، ويُضيء قلبها بنور الإيمان، فتعتنق الإسلام، وتضحى من شيعة عليّ بن أبي طالب». فهذا هو الكلام الذي قاله لي في طريق عودتنا من زيارة الإمام الرضا.
- تجدر الإشارة إلى أنّ حرف العين يُنطق في اللغة الفارسيّة بالألف؛ ولهذا، فإنّ الناطقين بهذه اللغة يجدون صعوبة في التفريق بين هذين الحرفين؛ بل إنّ بعض المتنطّعين في الدين يُبالغون أثناء قراءة القرآن الكريم في التشديد على العين لكي تتميّز عن الألف. المترجم
