
هل العارف لا يهتمّ بالمسائل الاجتماعيّة؟
ما هو الأساس الذي تتمحور حوله أحكام الإسلام والمعارف الإلهيّة؟ ما هو المدى الذي تبلغه نظرة العارف؟ متى تتحوّل خدمة المجتمع إلى فخّ؟ كيف ينبغي على الإنسان أن يُؤدّي أعماله؟ هل يُؤثّر التقصير في التكاليف العائليّة على سلوك الإنسان؟ ما هي حقيقة السلوك؟ هي تساؤلات سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لتكملة شرحه لحديث عنوان البصريّ.
هل العارف لا يهتمّ بالمسائل الاجتماعيّة؟
15حقيقة السلوك في ترك التعلّقات وليس الاطّلاع على الأسرار
أ فلا توجد لدينا في القرآن الكريم آية تتحدّث عن قصّة بلعم بن باعورا، وتقول: ﴿عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾۱؟! أي أنّنا وهبناه من عندنا تلك العلوم التي لا نهبها للآخرين؛ وبسبب هذا العلم، صار مستجاب الدعوة، بحيث كان يُستجاب لكلّ شيء يدعو به؛ فأتى، وحاول استخدام هذا العلم ضدّ وليّ الله تعالى.. حضرة موسى عليه السلام، لكنّ غيرة الله تعالى لا تسمح بذلك.. لقد أخذت منّي ذلك، وأردت أن تستخدمه ضدّ وليّي!! هذا غير ممكن! وقد ابُتلي ذلك الشخص بنفس هذه المصيبة، حيث تمكّن من الاطّلاع على بعض المسائل، فصار يرى ويسمع مجموعة من الأسرار، ويقول: «إنّنا نجلس عند السيّد، ونستمتع، ونتحدّث، ونضحك.. أجل، لقد حضرنا عنده ذلك المجلس، فكم كانت جيّدة تلك المسائل التي تكلّم عنها! وكم استفدنا منها!»؛ يا أيّها المسكين، أنت لم تستفد شيئًا، بل المصائب تحلّ على رأسك من دون أن تشعر! فلو كنت قد قمت من مكانك، وذهبت، وتذوّقت مرارة عدم الصحبة، وتجرّعت غصص الفراق، وبَلَعتها، لنفعك ذلك، وأحدث فيك تأثيرًا؛ فهذه هي حقيقة السلوك يا عزيزي! وليس الجلوس، والاستمتاع، والحديث، والضحك، وقراءة الدعاء!
فمسألة السلوك عبارة عن سحب النفس عن كافّة التعلّقات، سواء كانت دنيويّة أو أخرويّة؛ وذاك الجالس هناك لم يكن يحكي عن قصّة كليلة ودمنة، بل كان يتحدّث عن مسائل إلهيّة؛ لكنّ المسائل الإلهيّة لا تكون كذلك إلاّ إذا كان إلهيّة فعلاً؛ وأمّا إذا جرى وضعها في غير محلّها المناسب، فإنّها ستصير شيطانيّة؛ وقد شاهدتم ما حلّ برأس ذلك الشخص؟ لماذا حلّ ذلك برأسه؟ بسبب تلك الليالي التي لم يمتثل فيها بالذهاب. وحتّى أنّ المرحوم العلاّمة قال إنّه كان في بعض الحالات يلجأ للردّ، ولا يُصغي لكلامه، ويبقى هناك؛ فكان أستاذه بدوره لا يفعل له شيئًا، ويتصرّف بطريقة أخرى لا يُمكننا الحديث عنها هنا؛ هذا، مع أنّ الأستاذ ينظر لكافّة جهات المسألة، علاوةً على أنّ الأمور التي يذكرها تعود بنفعها على ذلك الشخص بنفسه؛ فما علاقة الأستاذ بذلك؟ فهو سيظلّ حيًّا إلى سنتين، ثمّ يرتحل عن هذا العالم.. أ فلم يرحلوا عنّا؟ فذلك الشخص هو حيّ الآن، بينما أستاذه ارتحل عن الدنيا ولا ينفعه في شيء؛ فما الذي سيحصل عليه الأستاذ [من تلك المسائل]؟ فهو يذكرها لأجله هو.. فهذه المسائل هي لأجل طريقك ومسارك أنت، ولأجل تخلّصك من نقاط الفراغ تلك، ولأجل محوك لنقاط الجهل، وفي سبيل بلوغك الفعليّة والكمال؛ لكن، حينما نقول: إنّها جيّدة، فإنّك تقول: «لا، فأنا أريدها بذلك النحو»؛ حسن جدًّا، اذهب وافعل ذلك إذا كان يُعجبك.
- سورة الكهف، الآية ٦٦.
