
هل العارف لا يهتمّ بالمسائل الاجتماعيّة؟
ما هو الأساس الذي تتمحور حوله أحكام الإسلام والمعارف الإلهيّة؟ ما هو المدى الذي تبلغه نظرة العارف؟ متى تتحوّل خدمة المجتمع إلى فخّ؟ كيف ينبغي على الإنسان أن يُؤدّي أعماله؟ هل يُؤثّر التقصير في التكاليف العائليّة على سلوك الإنسان؟ ما هي حقيقة السلوك؟ هي تساؤلات سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لتكملة شرحه لحديث عنوان البصريّ.
هل العارف لا يهتمّ بالمسائل الاجتماعيّة؟
14لقد كان حديث المرحوم الوالد مع السيّد الحدّاد يبدأ للتوّ بعد منتصف الليل؛ فكانا يجلسان، ويتحدّثان، ويُضيآن المصباح؛ هذا، مع أنّنا لم نكن نفهم عن ماذا يتكلّمان؛ فكان ذلك الشخص يجلس أيضًا، و...، فكان المرحوم السيّد الحدّاد يقول له: «اذهب أيّها السيّد عند زوجتك وأولادك!»، فكان يقول: «يا سيّدي، لقد جاء السيّد محمد الحسين!»، فكان يقول له: «فليأت السيّد محمّد الحسين؛ إنّ مجيئه يخصّه هو»، فكان يقول: «يا سيّدي، إنّ هذا يصعب عليّ كثيرًا»، فكان يقول له: «المسألة هي بهذا النحو!»؛ فكان المرحوم السيّد الحدّاد يذكر له ذلك مرّة واحدة، ولا يُعيد له الحديث مرّة ثانية، حيث كانت هذه هي عادته؛ أي أنّه يذكر المسألة مرّة واحدة، ولا يُكرّرها مجدّدًا؛ غير أنّه كان يُبدي حساسيّة شديدة تجاه مسألة مراعاة الشؤون العائليّة.
وقد حكى لنا المرحوم الوالد أنّ ذلك الشخص أتى في أحد الأيّام، فكنّا جالسين، وحينما انقضى وقت الغروب، قال له السيّد الحدّاد: «حسن جدًّا، لقد تأخّر الوقت، اذهب إلى بيتك! ارحل من كربلاء إلى النجف، ثمّ اذهب بعد ذلك إلى منزلك!»؛ ولا يخفى أنّ النجف والكوفة صارتا الآن متّصلتين، ويبدو أنّه لم يعُد هناك مكان فارغ بينهما؛ لكن، في تلك الأيّام، أتذكّر أنّه حينما كنت أبلغ السابعة عشرة من العمر، ذهبنا إلى بيت ذلك الرفيق للمرحوم العلاّمة، وذلك عند رجوعنا من زيارة العتبات المقدّسة بعد أدائنا للحجّ، فكانت تلك المنطقة بأجمعها وإلى منتهى حدّ البصر عبارة عن بريّة، ولم يكن هناك إلاّ بعض المنازل والأشجار؛ ففي هكذا أوضاع، سيشعر أهل المنزل بالخوف والاضطراب؛ بينما تُريد أنت أن تُقصّر في بعض الأمور بسبب علاقتك بالأستاذ، وحصولك على بعض الحالات، وارتباطك بالرفيق، والأنس به ومؤانسته؛ وحينما تُقصّر في مسألة ما، يأتي الامتحان! فحينما جلستَ هنا، ظانًّا أنّك تستمتع، وتتحدّث، وتضحك، وتستفيد بعض المسائل، فإنّ جلوسك هذا يتسبّب في اهتزاز قلب شخص آخر، وخوفه؛ فما الذي فعلته للحيلولة دون ذلك؟! ولذلك، فإنّ هذا الجلوس سيُؤدّي إلى قساوة القلب، لكنّ النفس تأتي وتُسلّيه بتلك الأمور، بينما يسعى الأستاذ لإخراج هذه النفس، وسحبها للخارج، ويُريد التقليل من التعلّقات، وإضفاء جانب الطهارة على النفس، غير أنّ ذلك الشخص يتسبّب بعمله في قساوة قلبه من دون أن يعلم، ظانًّا أنّه جلس يستمتع، ويتحدّث، ويستمع للأسرار، لكن، ما هي فائدة سماعه لهذه الأسرار؟ أجل، لقد كان يُصغي للأسرار، ومطّلعًا على العديد منها، حيث أشار المرحوم العلاّمة بنفسه إلى أنّ الله تعالى فتح بصيرته لرؤية الأسرار وسماعها، لكنّ مجرّد الإصغاء للأسرار لا يكون هو نهاية الأمر.
