
معالم النظام في الحكومة الإسلاميّة
تعالج هذه المحاضرة شرح فقرة أن لا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا وتستمرّ في حلّ إشكاليّة أمر الإمام الصادق أن لا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا واستناد التكوين والتشريع إلى التنظيم، لاستناده إلى الأسماء والصفات الإلهيّة المتنزّلة، الأمر الذي يقتضي أن لا يكون هناك اختلاف في القرآن الصادر عن الله ولا في النظام الكونيّ ولا في التشريع الناظر إلى الفطرة الثابتة. ثمّ تفصّل ما طرحته في المحاضرة السابقة من محوريّة التوحيد في نظام الحكومة الإسلاميّة، مفصّلة معالم هذه الحكومة مبيّنة اتّحاد الدين والسياسية وأنّ معاوية أوّل من فصلهما عملاً، مستشهدة بمواقف أمير المؤمنين عليه السلام التي تبيّن عدم قيمة الحكومة في نفسها بالنسبة إليها إلاّ أن يقيم حقًّا ويبيّن الحكم الشرعيّ حتّى أثناء القتال، وبخطبة له عليه السلام بعد معركة صفّين يؤكّد فيها على عدم الثناء عليه وأنّه أدّى دينًا كان في ذمّته لا أكثر، وبعهده لمالك الأشتر واهتمام الأعاظم به وتوصيتهم بضرورة مطالعته على الدوام. كما تعرّضت أثناء ذلك إلى كيفيّة تعاطي المرحوم العلاّمة في مسجد القائم ودقّة إدارته له في كافّة الشؤون الماديّة والتربويّة ثمّ تركه له عندما استتبّت الأمور بأمر من أستاذه.
معالم النظام في الحكومة الإسلاميّة
14وقد تذكّرت الآن أمرًا لا بأس بذكره، كان هناك أحد الأطبّاء المشهورين جدًّا في طهران، ورغم أنّه كان عضوًا في بعض الحركات والأحزاب، ولكنّي مطمئنّ أنّه كان مصليًّا وكان يؤدّي بعض التكاليف إلى حدّ ما وربّما أكثر من ذلك فاطلاعي على ذلك ناقص. وهو الدكتور مهدي آذر الذي كان من أتباع الحركة الوطنيّة الإيرانيّة، وقد انتقل إلى رحمة الله الآن، لقد كان لتلك الحركة أفكار خاصّة ونوع من الذوق الخاص الذي يعرفه الجميع، ولكن من حيث الاستقامة في العمل أقول لكم إنّه كان رجلاً صريحًا صادقًا كان مرجعًا لكافّة الأطبّاء الداخليين في إيران، وإن لم يكن لكافّتهم فلأغلبهم، كلّما كنت أراجعه إن كان لا يعلم شيئًا كان يقول: سيّد! أنا لا أعلم هذا، بصراحة كان يقول: لا أعلم. رجل كهذا يقول: سيّد أنا لا أعلم. من الأمور التي كنّا نراها أنّه كان في مكتبه كتابان مرجعيّان على الطاولة حتّى إذا ما واجه مشكلة فتحهما ونظر فيهما ثمّ كتب النسخة. كم هذا الحال وهذه السجيّة مناسبان وجيّدان. لا يقول: أعتقد أنّه يجب أن أعطي هذا الدواء، أتصوّر هذا الدواء. وكما نقول نحن طلاب الحوزات إنّ أحد أطراف العلم الإجمالي۱ سيعطي نتيجة إذا كانت الأدويّة المعطاة ستّين دواء.كلاّ بل هو يأتي ويعطي ذلك الدواء... ولا يخجل أن يقول المريض: أجاهل أنت أيّها الطبيب حتّى تنظر في الكتاب؟! كلّا هذا العمل عمل صحيح، هذا العمل عمل صائب، والعمل الصواب لا بدّ أن يتّبع، لأنّه محتاج، وهذه الحاجة توجب أن يكون لدى الإنسان حركة ومعاشرة ومصاحبة مع ذلك المورد، فالمسألة مهمّة جدًّا، فقد يغفل الإنسان يومًا ممّا يؤدّي إلى أن يرجع فجأة. قد يغفل الإنسان يومًا فيكون هناك بضع تمجيدات فيختلف حاله عن ثلاثة أيّام مضت.
قد يشترك اثنان في أمر ما، في البداية... ـ هذه المسألة لنا جميعًا، على الجميع أن يختبروا أنفسهم بهذا المعيار وهذا المضمار الذي وضعه أمير المؤمنين فقال: أنا فقط أردت أن أؤدّي تكليفي، فلا تلصقوا بي شيئًا آخر، فقط هذا، كلّ واحد منّا لا بدّ أن يطبّق هذا الكلام المعجز على نفسه، أنا عليّ أن أطبّقه في دائرة عملي، أنتم عليكم أن تطبّقوه في دائرة عملكم، على كلّ إنسان أن ينظر من منظار التوحيد، لا من منظار التعلّق، الحكومة واحدة من الموارد، الشركة واحدة من الموارد ـ شريكان معًا يبدآن معًا في البداية على أساس بعض المبادئ من الصداقة والرفقة والشركة فيعملان معًا، وكلّما تقدّمت الأمور فإنّ هذا يقدّم عرضًا لذاك، الأمور التي تحدث معه يقصّها عليه، اليوم الأوّل، اليوم الثاني، الشهر الأول، الشهر الثالث الرابع، وما إن تمض ستّة شهور فجأة يبدأ شيئًا فشيئًا يعتاد الأمر، يذوق طعم المال، المصارف التي تطرأ والدخل الذي يحصل يبدأ شيئًا فشيئًا يعظم في عينه، وفجأة يواجه أمرًا فيقول: إن لم أخبر الشريك فلا إشكال. هنا الخطر. تقع الضربة الأولى. كان من المقرّر أن تخبر بكلّ شيء، أن تخبر بكلّ ما يحدث، وفي غيابه عليك أن تكون أمينًا، إن لم تقل لن يعلم، ولكنّ الذي في الأعلى يعلم، هو ينظر يعلم، هذا لا يعلم، ويمكن أن يعلم هذا أيضًا في يوم من الأيّام، فماذا سيحكم فيك؟
- مصطلح في علم أصول الفقه يعني العلم المردّد بين أطراف متعدّدة كما لو علمنا بوجود ثوب نجس بين عشرة أثواب، فيجب الاحتياط باجتنابها جميعًا. وفي هذه المحاضرة لو علم الطبيب أنّ العلاج هو واحد من ستين دواء فأمره بتناولها فإنّه يعلم إجمالاً بوجود الدواء بينها وبالطبع هذا العمل خطأ في هذا المقام طرحه سماحة السيّد على سبيل الملاطفة. (م)
