
محوريّة التوحيد في جميع الشؤون الاجتماعيّة والفرديّة
تتحدّث هذه المحاضرة حول فقرة أن لا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا، وتبيّن أنّ من المحال أن تدعو المدرسة الإلهيّة إلى عدم التدبير والتنظيم لأنّ عالم الوجود كلّه قائم على التدبير الإلهيّ والتنظيم، وكذلك في مجال التشريع لا بدّ أن يكون هناك تدبير وتنظيم ولكنّ هذا التدبير وفق المدرسة الإلهيّة يتمحور في جميع الشؤون الاجتماعيّة والفرديّة حول التوحيد، الأمر الذي يميّزها عن المدارس الماديّة ولو كانت بظاهر إلهيّ. وفي هذا السياق تحدّثت المحاضرة عن نقطتين: الأولى: بيان كيفيّة تدبير عالم الوجود وعدم وجود ظاهرة غير مدروسة وغير محسوبة فيه مهما صغرت، وقد ناقشت شعرًا لسعدي الشيرازي حول أنّ الملاك الموكّل بالرياح لا يبالي بإطفاء مصباح عجوز، واحتملت له احتمالين: 1ـ فإن كان المراد أنّه أثناء قيامه بواجبه الإلهيّ في مكان قد ينشأ عنه بعض اللوازم الفاسدة وغير المقصودة، فهذا محال على التدبير الإلهيّ الذي يقوم به الملائکة. 2ـ وإن كان بمعنى أنّ الملاك يقوم بما أمر به ولو كان إطفاء مصباح عجوز، فهو صحيح. كما شرحت المحاضرة أثناء ذلك كيفيّة ارتباط الملائكة مع عالم المادّة، وأنّه من خلال عالم الملكوت، لا من خلال عالم المادّة، ولذلك لا يمكن أن يقع خلل في عملها واستشهدت لذلك بقصّة الزلزال الذي ضرب قريتين في همدان فقتل جميع أهل إحداهما حتّى من كان منهم في الأخرى بينما نجا أهل الأخرى جميعًا. الثانية: محوريّة التوحيد في جميع الشؤون الاجتماعيّة والفرديّة، وقد توسّعت في ظهور محوريّة التوحيد في الشأن السياسي، مبيّنة مظاهر ذلك في سيرة رسول الله والأئمة عليهم صلوات الله أجميعن، فتحدّثت عن التوحيد في موقف أمير المؤمنين من عثمان بن حنيف وطلحة والزبير وفرار ابن عبّاس ببيت مال البصرة، وصلح النبيّ مع قريش في الحديبيّة وفتحه لمكّة. مؤكّدة على الفارق بين حركة رسول الله التي هي مظهر للرحمة والعطف والأبوّة والتوحيد ومحبّة النوع.
محوريّة التوحيد في جميع الشؤون الاجتماعيّة والفرديّة
14لقد كنت في مكان، فرأيت أنّ رجلاً يتحدّث بهدوء مع آخر، وكان شعره قصيرًا، وكانت القصّة هكذا: كان هذا الرجل قد وعد الناس وخطّط للذهاب إلى مكّة وأداء مناسك الحجّ، وقدّم الطعام للجميع، وأثار الضجيج والصراخ، فالبعض يثيرون الضجيج كثيرًا فماذا حصل يا سيّدي؟! يريد أن يسافر إلى مكّة. ضجيج وكذا ولم يكن معلومًا أنّ كلّ ذلك كان لله، وصادف أنّ الأمر لم يتمّ، ومهما حاول لم يتمّ. فرأى أنّ ماء وجهه سيذهب، فسافر شهرًا إلى مشهد، وحلق رأسه هناك، ثمّ رجع. لقد رأيته يقول لذلك الرجل: الخلاصة أنّا رأينا أنّه لا يمكن الوقوف أمام الناس، فذهبنا إلى مشهد وحلقنا شعرنا، ورجعنا كحجّاج، وذبحنا الأضاحي والقرابين. فما هذا؟ هكذا يا عزيزي! تفضّل، وعندنا أيضًا مثل ذلك، لا تقول في زمان رسول الله. هؤلاء قالوا: لقد سرت من المدينة تريد مكّة، [أتريد أن ترجع] بهذا الرأس؟! وأمثال هذا الكلام، فماذا حصل؟! أين مكّتكم؟! أين مِناكم؟! أين عَرَفَتُكُم؟ قالوا: لا يا رسول الله! نحن نحلق رؤوسنا، فحلقوا رؤوسهم. خلافًا لرسول الله حيث [لم يحلق] قال: قصّروا، قصوّا أظفاركم، قصّوا قليلاً من شعركم. لماذا حلقتم رؤوسكم؟! هذا حلق من عند أنفسكم. انظروا! المظهر مظهر إلهيّ، وبعنوان عبادة، ولكنّ باطن القضيّة ماذا؟ ماء الوجه، ماذا نقول؟! فإذن يا عزيزي! لا فرق، اذهب وأصلح الباطن، ولا تهتمّ إلى هذا الحدّ بالظاهر. لا يقولون يوم القيامة: حلقت رأسك لله، كان بإمكانك أن لا تحلق، كان بإمكانك أن تترك شعرك بطول متر، هل قال النبيّ: احلق؟ لقد قال النبيّ: قصّر. فقد ارتكبت من جهة ذنبًا كما أنّك من جهة أخرى لم تحصل على شيء. في حين قام آخرون بالتقصير، وأطاعوا كلام النبيّ. وكان من المقرّر أن يدعو النبيّ فقال: اللهم اغفر للمقصّرين. فرأوا أنّه يا للعجب لم يدعُ رسول الله لهم. فجاؤوا مرّة ثانية: يا رسول الله انظر، ففي النهاية نحن تحمّلنا... فرفع النبيّ يده من جديد: اللهم اغفر للمقصّرين أو اللهمّ ارحم المقصّرين. فالنبيّ لم يكن يفعل ذلك لجاجًا، بل كان يجري على لسانه "المقصّرين" ولم يكن يجري "المحلّقين" وجاؤوا للمرّة الثالثة وقالوا: يا رسول الله!.... فقال النبيّ للمرّة الثالثة أيضًا: اللهم ارحم المقصّرين. ثمّ رأى أنّ المسألة صارت مشكلة للغاية و... فقال: اللهمّ ارحم المقصّرين والمحلّقين.۱ عندها نزلت الرحمة، حينها صارت المسألة موردًا للتوبة وأمثال ذلك. فما هذه المسألة؟ هذه المسألة هي أنّ محورك يا سيّد في هذه الحركة هو محور وعد الأهل والأقارب أم كلام رسول الله؟ ماذا كان المحور؟ هل كان المحور هو التوحيد أم ذاتك أنت؟ هل كان المحور أنّه إن لم يحصل كذا فسيراق ماء وجه الإسلام أم كان المحور هو ليذهب ماء وجه الإسلام؟ هل أنا وكيل الإسلام؟ هل أنا قيّم الإسلام؟ قيّم الإسلام هو إمام الزمان، وهو غائب أيضًا، ولست أنا. قيّم الإسلام هو إمام الزمان أرواحنا فداه فحسب، وانتهى الأمر، وكل ما سوى ذلك فهو ليس موافقًا للواقع. هو بنفسه يعلم، يريد أن يراق ماء وجه الإسلام فليرق، يريد أن لا يراق فلا يراق، ما هو دوري أنا حتّى أعلّم إمام الزمان؟ حتّى أعلّم الله؟ أنا أريد نفسي، وأتكلّم باسمهم.
- حسبما في المصادر التاريخيّة والروائيّة أنّه صلّى الله عليه وآله حلق ثمّ قال: اللهم اغفر للمحلقين مرتين، قيل: وللمقصرين يا رسول الله، قال: وللمقصرين. (راجع وسائل الشيعة، ج۱۰، ص ۱۸٦ ؛ الذهبي، تاريخ الإسلام ج٢، ص ٣٩۱؛ معرفة الإمام، ٦، ص ٢۱ وج۷ ص ٢٢). (م)
