
حتميّة التدبير في النظام التربويّ والاجتماعيّ
تتحدّث هذه المحاضرة حول فقرة أن لا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا وتطرح مشكلة التعارض بينها وبين ما دلّ على ضرورة التدبّر والتفكّر والتدبير والتنظيم من آيات القرآن الأمرة بالتدبّر فيه والمتحدّثة عن التدبير والنظام في السموات والأرض وسيرة الأولياء في الدعوة إلى أعلى مراتب التنظيم في مختلف مجالات الحياة. وفي أثناء ذلك تعرّضت إلى موضوعات مختلفة: كضرورة الاهتمام بالقرآن وتلاوته والتدبّر فيه مدى الحياة وعدم تركه للقراءة على الأموات وقد توسّعت في شاهد على التدبّر في آية ولا تقف ما ليس لك به علم ضرورة صلاة الجمعة وأهميّتها وعينيّتها مضامين خطبة الجمعة ومواصفات الخطيب أهميّة الحجّ ومعنى الاستطاعة
حتميّة التدبير في النظام التربويّ والاجتماعيّ
6أهميّة الحجّ والتأكيد عليه في الروايات
كما هو الحال في الحجّ، لقد قلت لهم: أليس الحجّ واجبًا؟! فلماذا لدينا الكثير من الروايات حول الحجّ؟ من لم يحجّ لم يمت على دين إبراهيم، من لم يحجّ يخيّر حين الاحتضار بين النصرانيّة واليهوديّة، أي لا يموت على الإسلام، من لم يحجّ لا يكون يوم القيامة مع المسلمين۱، فهذه الروايات ترجع إلى الحجّ، وهو واجب، لماذا؟ لأنّ الحجّ الآن بأفضل الوسائل من إيران أو كثير من البلدان مريح جدًّا وسهل الوصول، ويمكن للنّاس أن يقوموا به، أمّا في سائر الأماكن وسائر البلاد في الأزمان السابقة فقد كان ذهابه وإيابه فقط يستغرق سنة، أي ستة أشهر في طريق الذهاب، وستّة أشهر في طريق الإياب، وبضعة أيّام يحجّون فيها هناك، وذلك مع كلّ تلك المخاطر، ومع كلّ تلك المشكلات وبتلك الكيفيّة. لا تنظروا إلى هذا الزمان، ففي إحدى المناطق كطهران مثلاً يقال: لم يكمل فلان حجّه، وكان كثير منهم يوصون قبل الذهاب إلى الحجّ، وما ترونه الآن من كتابة الوصيّة قبل الذهاب إلى الحجّ هو لأجل ذلك الزمان، فمن كان يذهب إلى الحجّ كان يسير آيسًا من الحياة، كان مأيوسًا من رجوعه، كان آيسًا من أن يرجع إلى أهله. فكان يوصي، وكان كثير منهم يموتون، يقتلونهم، أو أنّهم يصابون بأنواع الأمراض في الحجّ، فهذه الوصيّة كانت لذلك الزمان، أمّا الآن فالحاجّ يتحرّك من هنا وخلال ساعتين وبأفضل وسيلة يصل إلى جدّة، ثمّ يؤدّي الحجّ في أفضل الأماكن والإمكانات، ثمّ يرجع، رغم وجود مشكلات، لا يخلو الأمر منها، ولكن أين هي من تلك؟ فهذا أمر الحجّ فيه الكثير من التأكيد.
معنى الاستطاعة عند المرحوم العلاّمة
بل كان رأي المرحوم العلاّمة أنّه إذا تمكّن الإنسان أثناء مسير الحجّ حتّى أثناء مسير الحجّ أن ينهي أعماله، دون أن يكون قد جمع من هنا مقدارًا من المال، فلو كان الإنسان سكّافًا ويمكنه أن يعمل على طول الطريق، وأن يتابع في عمله، ومن خلاله يؤمّن معاشه ويتابع عمله، فإنّ واجبه أن يحجّ. مسألة الاستطاعة التي تطرح الآن كأن يكون قد جعل مليون تومان جانبًا، بحيث إذا رجع يجدها، ليست صحيحة. الاستطاعة من وجهة نظر فقهيّة تطلق على إمكان أن يوصل الإنسان نفسه إلى بيت الله، هذا ما يسمّى استطاعة. حتّى لو ذهب ماشيًا وكان بإمكانه أن يذهب ماشيًا وجب عليه الحجّ، حتّى لو تمكّن من الذهاب بشكل عادي بحيث لا يهدّده مرض ولا يهدّده شيء ويكون مخلّى السرب ويكون طريقه آمنًا، فعليه أن يحجّ، وما في بعض الروايات من التعبير بالزاد والراحلة فهو ليس موضوعًا في نفسه، بل هو عنوان مشير، وليس له موضوعيّة. أي لأنّ كافّة الناس يسافرون بالراحلة والمركب ويأخذون معهم الزاد، فإنّ من كان لديه زاد وراحلة لا بدّ أن ينطلق. أمّا لو لم يكن له زاد وراحلة ولكنّه كان مثلاً من أهل المدن القريبة من مكّة، ويبعد عنها عشرين فرسخًا، ثلاثين فرسخًا، بل حتّى أربعين فرسخًا، وكان من المدن المحيطة بمكّة، ولم يكن للمشي عنده مشكلة بل يعتبر رياضة، فمثلاً يخفّ وزنه قليلاً فهذا يكون أفضل، فمثلاً افترضوا أنّ علينا في اليوم أن نسير فرسخًا أو فرسخين ـ صحيح أيّها الدكتور؟ لقد نصحني وأنا مجبور أن أطيعه لأنّه طبيب قلب وقال: يا فلان عليك أن تمشي كلّ يوم ساعة ونصف، ولكنّي لم أوفّق إلى الآن للعمل بأمره، إن شاء الله، أرجو المعذرة ـ فهذا المقدار الذي ينبغي أن يمشيه الإنسان يجعله في الطريق ما المشكلة في ذلك؟ فهذا ما يقال له: زاد وراحلة، ولا يعني أنّه لا بدّ أن يرسلوا إليه أحدث وسائل النقل ثمّ يرسلوا إليه بطاقة دعوة ويرحّبوا به أن تفضّل وأمثال ذلك... كلاّ فهذا عليه أن يحجّ أيضًا.
- وسائل الشيعة، ج۸، ص ۱۸: عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، أنه قال : " من مات ولم يحج حجة الاسلام ، فليمت إن شاء يهوديا ، وإن شاء نصرانيا " .
