
حتميّة التدبير في النظام التربويّ والاجتماعيّ
تتحدّث هذه المحاضرة حول فقرة أن لا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا وتطرح مشكلة التعارض بينها وبين ما دلّ على ضرورة التدبّر والتفكّر والتدبير والتنظيم من آيات القرآن الأمرة بالتدبّر فيه والمتحدّثة عن التدبير والنظام في السموات والأرض وسيرة الأولياء في الدعوة إلى أعلى مراتب التنظيم في مختلف مجالات الحياة. وفي أثناء ذلك تعرّضت إلى موضوعات مختلفة: كضرورة الاهتمام بالقرآن وتلاوته والتدبّر فيه مدى الحياة وعدم تركه للقراءة على الأموات وقد توسّعت في شاهد على التدبّر في آية ولا تقف ما ليس لك به علم ضرورة صلاة الجمعة وأهميّتها وعينيّتها مضامين خطبة الجمعة ومواصفات الخطيب أهميّة الحجّ ومعنى الاستطاعة
حتميّة التدبير في النظام التربويّ والاجتماعيّ
13يقول: رأيت تحت فراشي ثعبانًا. فلئن أتى عقرب تحت الفراش يمكنه أن يلدغه، ولكنّه ليس مأمورًا. هذا مأمور، ذاك قربه ولكن لا يخرج إليه. لقد وجد حيّة وقتلها فقال النبيّ عيسى: انظروا! لهذا الصدقة تدفع البلاء. لقد كان من تقدير هذا أن يموت بواسطة هذه الحيّة، ولكنّ الصدقة التي دفعها، بدّلت في عالم التقدير، اصدمت بتقدير الإهلاك والهلاك وأزالته وجعلت مكانه أن يستمرّ في حياته، الأمر دقيق جدًّا، ويتحقّق وفق حساب.
هذا عالم التدبير (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزّله إلا بقدر معلوم) ۱ كلّ ما لديكم كلّ ما تتصوّرونه في هذا العالم من الأمور المادّية وغير الماديّة، فإنّ خزانته ومنبعه ومنشأه لدينا. العلم، هذه العلوم الموجودة، فالآن لدينا أفراد من العلم بعدد كلّ من هو موجود هنا، وأقلّكم أنا والله يعلم أكثركم، فكلّ إنسان لديه معلومات، لديه مقدار من المحفوظات، مقدار من المعلومات حول الأمور المختلفة في اختصاصه وتخصّصه (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه) أصله عندنا لا تظنّوا أنّكم أتيتم به من عند أنفسكم (وما ننزّله إلا بقدر معلوم) اسم الله العليم هو الظهور الذي لا يتناهى من العلم، في جميع المظاهر والتعيّنات. ذلك العلم الكليّ هو عندنا، نجعل منه مقدارًا هنا، ومقدارًا أكثر هناك، وأقلّ هنا، يزيد وينقص، من خلال الأعمال التي يقوم بها يزيد وينقص. العمل الذي أقوم به يزيد ذلك العلم، أو إنّ العمل الذي أقوم به ينقص ذلك العلم. أذنب فيسدّ طريقه، أحسن يفتح طريقه. الجمال له أصل، إنّ الله جميل، فالجمال هو أحد أسماء الله ومظهر لظهورات أسماء الله الأخرى. فمن الصفات الإلهيّة الجمال، إنّ الله جميل، فواحد من صفات أصل الوجود الجمال، أصله عندنا (وما ننزّله إلا بقدر معلوم) أجعل لكلّ إنسان نصيبًا سواء من الجمال الظاهريّ أو الباطنيّ.
القدرة خزانتها عندنا، كلّ القدرات التي ترونها كلّها (وما ننزله إلا بقدر معلوم) ننزّل ما نشاء ننقص، ومعنى أنّنا نقص ليس الأخذ بل قطع الإمداد، لا أن نأخذ منه. فهذا الإنسان ليس لديه شيء لنأخذه منه، فحالنا مع المظهر وظهور الأسماء الكليّة الإلهيّة ليس كحال تخزين متاع في كيس. فلو كان لديكم كيس تجعلون فيه الأرزّ، ووزنه مثلاً ثلاثون كيلو أو عشرون كيلو فإنّ فيه هذا المقدار من القمح، فلو كان من المقرّر أن ينقص فسيصيبه ثقب وينقص شيئًا فشيئًا إلى أن نلتفت ونخيطه، وإن لم نلتفت فإنّه سيذهب شيئًا فشيئًا. ليس الأمر كذلك، بل حالنا مع ظهور خزائن الله في المجلى وفي التعيّن وفي هذا القالب، هي كحال شريط الكهرباء هذا، ليس فيه شيء، لا شيء. إنّه يرتبط بمقدار ما نرسل فيه من قوّة الكهرباء، فتارة يمكن أن نرسل فيه عشرة فولتات، فيكون فيه عشرة فولتات، وهذا المصباح يمكنه أن يضيء بهذا المقدار. وتارة نرسل فيه ثلاثمائة ألف فولت، فيكون فيه ثلاثمائة فولت. فلو أراد هذا الشريط من جديد أن يعتدّ بنفسه يقول: أنا أملك ثلاثمائة ألف فولت. فهؤلاء لا يأخذون منه الكهرباء، بل ماذا يفعل مصنع الكهرباء؟ يقلّل من قوّة الكهرباء، إذا أنقصها ماذا يحصل عنده؟ تنقص عنده. فهو ليس لديه شيء من نفسه، كلّ الصفات والأسماء التي هي أسماء وصفات متنزّلة من تلك الخزانة الإلهيّة، ظهورها فينا هو كهذا. من هناك يُنقص ومن هناك يزاد، من المنشأ. إذا نقص لا أرى شيئًا في نفسي، وإذا زاد أرى. كلّ ذلك يرجع إلى هناك (وما ننزّله إلا بقدر معلوم) نأتي بها نحن بمقدار دقيق وبمقدر ظريف. كلّ عمل نقوم به له أثر في عملنا. افعلوا هذا، صلّوا هذه الصلاة بحضور قلب، نؤيّدك في الصلاة التالية، إن لم تصلّها بحضور قلب، فستكون الصلاة التالية بغير حضور قلب. صل رحمك مرّة، نجعلك أكثر نشاطًا في العبادة، ولو تركت صلة الرحم مرّة وقطعته يسدّ ما بينك وبين المنشأ والخزائن. كلّ ذلك لأجل ماذا؟ لأجل هذا الأمر. فالأمر دقيق جدًّا.
- سورة الحجر (۱٥) الآية ٢۱.
